ميزانُ الحَق

كيفَ تخلُصُ أيُّها الإنسانْ؟

O Man, How can you be saved?

الجزء الثاني

الدكتــور فــاندر

Dr. Carl Pfander

(Arabic)

الباب الثاني

الغرض من هذا الباب أن نبين تعاليم الكتاب المقدس الأساسية وأن نبين أيضا أن هذه التعاليم توافق الشروط الضرورية للوحي الحقيقي

كما بينا ذلك في مقدمتنا

الفصل الأول

بيان مختصر لمشتملات التوراة

نهر النيل في القاهرة
نهر النيل في القاهرة

يتألف الكتاب المقدس من قسمين: أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد. ويُطلق على القسم الأول اسم التوراة والأخير اسم الإنجيل، لأن القسم الأول يبتدئ بشريعة موسى، والثاني يبتدئ بالأناجيل أي البشائر الأربع.

وكنا قد بينا فيما تقدم أن اليهود قسموا أسفار العهد القديم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: التوراة (الشريعة) والأنبياء، والصحف وتُسمى الأخيرة بالمزامير لأنه يبتدئ بها. وكُتبت أسفار العهد القديم جميعها باللغة العبرانية، ماعدا إصحاحات قليلة كُتبت بالآرامية، أما أسفار العهد الجديد فلغتها الأصلية اليونانية. وحفظ اليهود توراتها باللغة الأصلية بكل دقة وعناية إلى الوقت الحاضر وأخذها عنهم النصارى من بدء تاريخ الديانة المسيحية بأمر المسيح نفسه (بشارة متى ٥:‏١٧ و٢١:‏٤٢ و٢٦:‏٥٤ ومرقس ١٢:‏٢٤ ولوقا ٢٤:‏٢٧ و٤٥ ويوحنا ٥:‏٣٩ .. الخ). ولهذا فأسفار التوراة التي نستعملها اليوم هي ذات الأسفار التي كانت بأيدي اليهود في بلاد فلسطين في عصر المسيح وفي كل مكان وزمان.

يتضمن العهد القديم الوحي الإلهي الذي كتبه الأنبياء والمرسلون إلى زمن المسيح وأكثر الأسفار متوَّجة بأسماء الذين كتبوها ما عدا القليل منها حيث يُعرف كاتبوها من التقاليد القديمة. ومع ذلك فإن شهادة المسيح لها وتصديقه عليها كما صرح القرآن لا يدع سبيلاً للارتياب فيها. وقد قسم العهد القديم في العصور السالفة إلى اثنين وعشرين سفراً على عدد حروف الهجاء العبرانية، وتقسم في الوقت الحاضر إلى أربعة وعشرين سفراً بفصل راعوث عن سفر القضاة وفصل مراثي ارميا عن سفر نبوته واعتبارهما سفرين كلّ على حدة. وقد جرت عادة أكثرهم أن يقسموا الأسفار إلى سفرين أول وثان،وهي صموئيل والملوك وأخبار الأيام. ويقسم سفر الأنبياء الإثني عشر إلى اثني عشر سفراً صغيراً، فبلغت الأسفار بموجب هذا التقسيم الأخير تسعة وثلاثين سفراً، وهو التقسيم الذي اعتمد عليه المسيحيون. وأظن أن مسألة التقسيم لا يعلق أحد عليها أهمية كبيرة مثل تلك التي يكون لها مساس بالمتن الأصلي.

فتوراة موسى أو أسفار شريعة موسى الخمسة، التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية، يسجل الوحي تاريخ خلق العالم والإنسان، وكيف عصى آدم ربه وسقط في الخطية وجلب الموت على نفسه، وكيف أن الله الكلي الرحمة والجود وعد أن يرسل مخلّصاً إلى العالم يولد من نسل المرأة (سفر التكوين ٣:‏١٥) ولما توغل العالم في المعاصي والفجور أهلك الله بني آدم أجمعين ما عدا نوح وأهل بيته. إلا أنه من بعد الطوفان عادت ذرية نوح إلى فعل الشر وسقطت في عبادة الأوثان بالتدريج، إلى أن لم يبق بينهم من يعبد الإله الحق إلا إبراهيم،فاختاره الله واتخذه خليلاً لأنه آمن به. وعند ذلك وعده بأن المخلّص سيأتي من نسل ابنه إسحاق، وكان لإسحاق ابنان اصطفى الله منهما يعقوب وسمّاه إسرائيل وجدّد معه عهده ووعده الذي وعد به إبراهيم، وهو أن بنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. وفي سبيل إنجاز ذلك الوعد الكريم أرسل الله الأنبياء من ذريته دون الشعوب الأخرى كما يعترف بذلك القرآن "وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُّوَةَ"(سورة الجاثية ٤٥:‏ ١٥) وذلك حتى تكون نبواتهم فصل الخطاب في تعريف المخلّص الآتي وتقديمه للعالم.

كانت الحالة تقتضي قبل إنجاز الوعد أن يتدرب بنو إسرائيل على الشؤون الدينية ويتخرجوا فيها حتى يصلحوا أن يكونوا فيما بعد أساتذة المسكونة، وكذا قضت التدبيرات الإلهية وكانت الخطوة الأولى أن ينزل الأسباط إلى مصر وهم نفر قليل، ولم يمض عليهم أربعمائة سنة حتى صاروا شعباً عظيماً يعد بمئات الألوف. فخشي فراعنة مصر عاقبة نموهم السريع، واتّخذوا الوسائل لإبادتهم، وسخروهم في الأعمال الصعبة المضنية للجسم، فأخرجهم الله على يد موسى سنة ١٣٢٠ ق. م أو سنة ١٣١٤ بموجب الحساب اليهودي وأظهر لهم الله مجده على جبل سيناء، وأعطاهم الوصايا العشر وغيرها مما هو مدون في التوراة. ومن ضمن غايات شريعة موسى إنارة أذهان الشعب ليفقهوا موضوعاً غاية في الأهمية كان مجهولاً في ذلك العصر ولا يزال مجهولاً إلى وقتنا الحاضر عند الجانب الأعظم من سكان العالم، ولا يعرفه إلا اليهود والنصارى، ألا وهو قداسة الله. ومن غايات الشريعة أيضاً فرز اليهود عن الأمم واعتزالهم عنهم في كل شؤون الدين والدنيا، وكانت الحكمة في ذلك حفظ الإعلانات الإلهية من أن يشوبها شيء من رجاسات الأمم وعاداتهم فيختلط الحق بالباطل، فاقتضت الحكمة الإلهية اعتزال أمة إسرائيل لتبقى شرائعهم على حالها إلى أن يأتي المسيح الذي هو روح النبوة والشرع وخلاصة الوعود والعهود، لن تكون هناك ضرورة لبقاء الحجاب الفاصل بين اليهود والأمم، بل يجب إزالته لأنه يكون قد جاء المسيح مشتهى كل الأمم الذي له تخضع شعوب الأرض.

وبعد أن انقضت أربعون سنة على بني إسرائيل بين حط وترحال في برية سيناء المعروفة بأرض التيه، أدخلهم الله أرض كنعان أو أرض الميعاد، وفي القرآن الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، وفي سفر يشوع ذكر فتح بني إسرائيل لأرض كنعان وإبادة كثير من شعوبها الوثنية جزاء لهم على توغلهم في كل معصية، مثل تقديم أطفالهم ذبائح لأوثانهم، وانغماسهم في الفسق والفجور تكريماً لمعبوداتهم المشهورة بتلك القبائح. أما شعب إسرائيل فقد ملكوا الأرض إنجازاً لوعده تعالى إلى خليله إبراهيم.

وفي سفر القضاة وراعوث وسفري صموئيل والملوك وأخبار الأيام نجد تاريخ الوقائع الرئيسية التي وقعت لشعب إسرائيل من ذلك الحين إلى السبي البابلي. وحدث مراراً كثيرة في غضون المدة التي أقاموها في أرض كنعان أنهم سقطوا في وثنية بقايا الشعوب الأصليين، فجازى الله شعبه بأن سلط عليهم الوثنيين فقهروهم وكدروا صفو حياتهم إلا أنه كلما تابوا إليه ورجعوا إلى عبادته تعالى نصرهم على أعدائهم نصراً باهراً على أيدي أفراد اصطفاهم من بينهم.

وبعد انتهاء حكم ملكهم الأول المدعو شاول، وفي القرآن طالوت (سورة البقرة ٢:‏٢٤٨) مسح الله داود ملكاً عليهم، وكان ذلك حوالي سنة ١٠٢٠ ق.م وخلفه ابنه سليمان وحكم من سنة ٩٨٠ إلى سنة ٩٣٨ ق.م. وبعد نهاية حكمه ثار عشرة أسباط على خلفه رحبعام وخرجوا عن طاعته وشيدوا لهم مملكة هي مملكة إسرائيل، وملّكوا عليهم يربعام بن نباط، وبقي السبطان على ولائهم لبيت يهوذا وشيدوا مملكة أخرى هي مملكة يهوذا، ولم تلبث مملكة إسرائيل حتى سقطت في العبادة الوثنية، وبعد قليل اقتفت آثارها يهوذا، فدفعهم الله إلى أيدي أعدائهم وعاقبهم هذه المرة عقاباً أشد صرامة من العقوبات التي ألفوها وبدأ بقصاص مملكة إسرائيل ليعطي يهوذا فرصة للاعتبار والتوبة، فسلط عليها الآشوريين فغزوها وأسروها في فارس ومديان سنة ٧٣٠ ق.م. وهنا انقرضت مملكة إسرائيل، أما مملكة يهوذا فلم تتعظ مما حدث مع إسرائيل، بل سارت على نهجها إلى أن خضعت لملوك بابل سنة ٦٠٦ ق.م، وظلت تحت نيرهم سبعين سنة أي إلى سنة ٥٣٦ ق.م. وفي سنة ٥٨٧ هدم بختنصر ملك بابل هيكل سليمان وأسر رؤساءهم إلى بابل.

وفي سفر عزرا تفصيل لرجوع اليهود إلى أرضهم وذلك أنه لما انقضت عليهم سبعون سنة العبودية التي تنبأ عنها ارميا النبي أنقذهم الله بأن حول قلب كورش ملك فارس بعدما انضمت بابل وكثير من الأراضي تحت سلطانه إلى العطف عليهم ومؤاساتهم،فسمح لهم أن يرجعوا إلى بلادهم، وتتلو ذلك قصة تجديد الهيكل وترميم أورشليم كما هي مشروحة في سفري عزرا ونحميا.

ولكن لما رفض اليهود المخلّص الذي وعدهم الله به تنبأ عليهم المسيح بعقاب هائل لم يروا مثله في تاريخهم السالف، وهو قلب مدينتهم المحبوبة وهيكلهم العظيم رأساً على عقب، وإتماماً لهذه النبوة ونبوات موسى خرَّب الرومان مدينتهم وهيكلهم سنة ٧٠ م. ومن ذلك الوقت إلى الآن تفرقوا في الأرض طولاً وعرضاً بلا بلاد أو ملك، وكابدوا من الضيقات ولا زالوا يكابدون ما ليس له مثيل.

وعلى ما تقدم يمكننا أن نلخص من التوراة أن مقصد الله في معاملته بني إسرائيل هذه المعاملة وتسجيل وقائعهم وتواريخهم الهامة بين أسفار الوحي في ثلاثة أشياء (أولاً) أن يُظهر لهم ولأهل العصور المقبلة أن القلب البشري يميل إلى العصيان والتمرد بالرغم عن نعم الله وبركاته وهدايته المتوالية بواسطة إرسال الرسل والأنبياء جيلاً بعد جيل، معلّمين ومنذرين، وكل ذلك لم يمنع الإنسان من الابتعاد عن عبادة الله الحي وليّ نعمته وخالقه إلى عبادة الأصنام، (ثانياً) لكي يعلّم بني إسرائيل أن العتق من نير الخطية وسلطان الشهوات الجسدية لا يمكن أن ينتج عفواً من مجرد معرفة وصايا الله، ولا من حفظ الرسوم والطقوس الدينية، بل لا بد من عامل قوي عسى أن تتولد فيهم مشاعر الشوق إلى المخلص الموعودين به في توراة موسى وأسفار الأنبياء بالتدريج، ويشعرون بشديد الحاجة إليه، (ثالثاً) حتى يُطلع الأمم جيلاً فجيلاً على معاملة الله لبني إسرائيل وإعلاناته السامية لهم عن قداسته وعدله ورحمته، أما عدله فبواسطة ما أوقعه عليهم من القصاص الصارم على خطاياهم، وأما رحمته فبواسطة ما أحسن إليهم به وبارك فيهم وغفره لهم إلى غير ذلك لكي يتخذوا لأنفسهم عبرة من ذلك ويعلموا أن أصنامهم لا شيء، وأن إله إسرائيل هو الإله الحق خالق السموات والأرض ويعبدونه ويخدمونه ويستنيرون بنور إنجيل الخلاص بيسوع المسيح مخلص العالم الذي أخبرت عنه التوراة إلى أن حصرت نسبه في ذرية داود وعينت مولده في بيت لحم بأرض يهوذا.

وعدا الأسفار التي ذكرناها في بيان تاريخ إسرائيل حسبما تقدم يوجد أسفار أخرى تشتمل على تعليمات في تمييز ما هو مقبول عند الله، كما تشتمل على صلوات وتسابيح وشكر لله العلي العظيم، ونبوات عن حوادث المستقبل تم منها إلى اليوم عدد كبير. ومن هذه الأسفار سفر أيوب والمزامير والأمثال وأشعياء وارميا وحزقيال ودانيال والأسفار الاثني عشر الصغيرة، وكلٌّ هؤلاء الأنبياء، ولو أنه كتب سفره لأهل عصره من بني إسرائيل محذراً ومعلّماً، إلا أنه من الجهة الأخرى قصد إعداد العصور المستقبلة لقبول مخلص العالم الذي نبّه الله عن مجيئه بواسطة إبراهيمَ خليله وإسحاق ويعقوب وموسى.

فمن هذه الأسفار كان من الممكن لخائفي الله وأتقيائه من بني إسرائيل أن يعرفوا النقط الرئيسية في وصف المخلّص، مثل أن يعرفوا وقت مجيئه، والبلدة التي يولد فيها، ونسبه وسبطه، وأخلاقه، ولاهوته، وأعمال رحمته وإحسانه، والآلام التي كانت تنتظره في سبيل خلاص العالم من اتضاع وهوان وآلام وصلب وموت وقبر، وأنه سيقوم بدون أن يلحق جسده فساد، وأن يعرفوا طبيعة ذلك الخلاص العظيم الذي جاء ليهبه للعالم.

هذا واعلم أن الأسفار المقدسة من أولها إلى آخرها وحدانية الله، وجوهر إيمان اليهود قائم على هذه الآية الذهبية "إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تثنية ٦:‏٤) وأيد المسيح هذا الإيمان وأنزله المنزلة الأولى (مرقس ١٢:‏٢٩) إلا أنه لأجل استثمار هذه العقيدة الجوهرية وتشخيصها في أعمالنا وسيرتنا اليومية اقتضت الضرورة أن يعلن الله نفسه للجنس البشري بحالة يمكن معها أن يكون معروفاً ومحبوباً. وإلا فمجرد معرفة وحدانية الله لا تقدم ولا تؤخر في حياة الفضيلة، ولا تختلف عن عقائد بعضهم بوحدة الوجود، وكما أن إبليس يعرف أن الله واحد - وهو أخبث من بني آدم – وهو يوحده لكن لا يحبه (يعقوب ٢:‏١٩).

وعلى ما تقدم وتحقيقاً لنبوات الكتاب عندما آن الأوان جاء من هو وحده كلمة الله (يوحنا ١:‏١) ليعلن الله لنا ويهب حياة أبدية لكل من يؤمن به إيماناً حقيقياً على وفق نطقه الكريم (يوحنا ١٧:‏٣).

غير أن جمهور اليهود عثروا في المسيح عند مجيئه لأنهم كانوا قوماً عالميين في أذهانهم وميولهم، فلم تكن تهمهم مسألة الخلاص من الخطية، بل حصروا اهتمامهم وهوى قلوبهم في مخلّص يخلصهم من نير السلطة الرومانية. ولم يهمهم أن يكونوا أغنياء في الإيمان وسلام الله، بل أن يكونوا حكاماً وولاة يسودون على البلاد والعباد ويغنمون الغنائم ويملأون الخزائن ذهباً وفضة أسوة بدولة الرومان والفرس. ومن كانت هذه مطامعهم وآمالهم فلا عجب أن تغمض أبصارهم وتعمى قلوبهم عن نبوات الأنبياء الصريحة المشيرة إلى المسيح كمخلّص من الخطية، يأتي إلى الأرض مجرداً من زخارف العالم، خالياً من أبهة الملك وجلال السلطان، محتقراً مخذولاً من الناس، ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته، ولكنه يعصب القلوب المنكسرة ويعتق أسرى إبليس والخطية.

فلم يمنع الناس في الماضي والحاضر عن قبول المسيح عدم الدليل ولا غموض النبوات عن الإشارة إليه، بل تمنعهم محبة العالم وخلوهم من محبة الله والديانة الروحية، أما ذوو العقول الروحية بين اليهود فقد عرفوا وآمنوا به وتبعوه، وبعد صعوده إلى السماء تفرقوا في أطراف المسكونة يذيعون بين الأمم أخبار مخلّصهم المحبوب كما أمرهم.

وكتب الإنجيل رسل المسيح (الحورايون) وتلاميذهم بإلهام الروح القدس الذي وعد المسيح أن يرسله بعد صعوده. ويتضمن الإنجيل أخباراً عن تعليم المسيح ومعجزاته تحقيقاً لنبوات العهد القديم بشأن المسيا المنتظر، ويتضمن شرح طريق الخلاص بما مضمونه أن المسيح مات على الصليب ليقدم نفسه كفارة عن خطايا العالم، وأنه قام في اليوم الثالث ومكث على الأرض بعد قيامته أربعين يوماً يتردد في غضونها على تلاميذه يعلّمهم ويشرح لهم الكتب، ويمكّنهم من مشاهدته ولمسه ليشهدوا للعالم عنه شهادة عين. وفي ختام المدة أعطاهم مهمة الرسالة التبشيرية إلى كل الخليقة في كل الأرض، وأمرهم قبل الشروع في الخدمة أن يمكثوا في أورشليم حتى يلبسوا قوة من الأعالي، بمعنى أن يحل عليهم الروح القدس ليقويهم ويذكرهم ويلهب قلوبهم شوقاً وغيرة ليشهدوا عنه إلى أقصى الأرض. ثم صعد إلى السماء أمام عيونهم تاركاً لهم الوعد برجوعه ثانية، وظلوا يودعونه بأبصارهم حتى حجبه عنهم سحاب السماء، وعند ذلك ظهر لهم ملاكان من السماء أخبراهم أنه سيأتي هكذا كما رأوه منطلقاً إلى السماء، بحسب ما سبق ووعدهم به (يوحنا ١٤:‏٣) وأعمال (١:‏٩-١١).

واعلم أن كثيراً من أقوال المسيح وأعماله في زمن حياته على الأرض، ولما صعد إلى السماء أخذوا يبشرون بالإنجيل شفاهياً ثم كتبوه فيما بعد في أربع بشائر معنونة هكذا إنجيل المسيح كما كتبه متى وكما كتبه مرقس ولوقا ويوحنا. وتمت كتابة هذه البشائر قبل ختام القرن الأول للميلاد، ومن بين البشيرين الأربعة رسولان هما متى ويوحنا أما مرقس فهو تلميذ بطرس الرسول، وكتب إنجيل المسيح كما أخذه عن معلمه وعن آخرين، ونجد في بشارته فصولاً يجب أن تكون قد كُتبت قبل صعود المسيح، وأما لوقا فهو زميل وتلميذ بولس الرسول، كتب في بشارته الأمور المتيقنة، لا عند واحد بل عند كثيرين من الذين عاينوا الوقائع والأخبار التي كتبها (لوقا ١:‏١-٤).

ولنا في رسالتي بطرس ورسالة يعقوب ويهوذا الحقائق التي دونها التلاميذ عن المسيح، وكذا كتب يوحنا أعز صديق وأحب تلميذ للمسيح ثلاث رسائل، وكتب بولس جملة رسائل منها رسالتي تسالونيكي كتبهما أولاً حوالي السنة الثانية والثالثة والعشرين بعد الصعود يشرح فيهما طريق الخلاص بيسوع المسيح وماذا يترتب على الدعوة المقدسة من واجبات لله، وورد في الرسالة الأولى لأهل كورنثوس ١٥:‏٣ و٤ ما اقتبسه المسيحيون الأولون في أقدم صيغة من قانون إيمانهم "أَنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الكُتُبِ"، ومن هنا يتبين لنا أن أقدم المسيحيين اعتقدوا أن جوهر الكتب، أي أسفار العهد القديم والجديد، إنما هي الكفارة التي قدمها المسيح عن خطايانا بموته على الصليب، وقبول تلك الكفارة عند الله بدليل أنه أقامه من الأموات. ومن جملة أسفار العهد الجديد سفر أعمال الرسل، وفيه خبر حلول الروح القدس وهو (الباراكليت) بعد الصعود بعشرة أيام وكيفية شروع الرسل في تبشير الأمم. وفي  الرسالة إلى العبرانيين شرح للعلاقة بين شريعة موسى وإنجيل المسيح. وسفر الرؤيا ويتضمن نبوة الجهاد الذي سيقع بين الكنيسة والعالم وانتصار الكنيسة أخيراً. وفي أصحاح ٩ منه مسائل يهم المسلمين الاطلاع عليها، ويشرح هذا السفر لنا كثيراً من الوسائل التي يتخذها الشيطان لتجريب المسيحيين وتعذيبهم بهدف أن يفصلهم عن مخلّصهم. وأهم هذه الوسائل ظهور المسيح الدجال الذي يبذل عنايته في مقاومة الخلاص الذي بالنعمة، أما المسيحيون الحقيقيون فيخرجون من أتون التجارب كالذهب الممحص، وآخر الكل يأتي المسيح على سحاب السماء بقوة ومجد عظيم ليؤسس في الأرض الجديدة والسماء الجديدة ملكوته الدائم "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلا مَا يَصْنَعُ رَجِساً وَكَذِباً، إِلا المَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الحَمَلِ" (رؤيا ٢١:‏٢٧).

وبالإجمال تتفق أسفار العهد الجديد مع أسفار العهد القديم في تعيين طريق الخلاص الذي به تتبارك كل الأمم  (تكوين ٢٨:‏١٤) ألا وهو الإيمان بنسل المرأة الموعود به (تكوين ٣:‏١٥) الذي وُلد من العذراء مريم (لوقا ١:‏٧ و ١٦ وانظر القرآن سورة الأنبياء ٢١:‏٩١ وسورة التحريم ٦٦:‏١٢) ليخلّص شعبه من خطاياهم (بشارة متى ١:‏٢١) الذي بذل حياته فدية عن كثيرين (أشعياء ٥٣:‏١٠ و١١ ومتى ٢٠:‏٢٨) وقام لأجل تبريرنا (مزامير ١٦:‏٩-١١ وأعمال ٢:‏٢٢-٣٦ ورومية ٤:‏٢٥) والذي به وحده  يقدر الإنسان أن يبلغ إلى  معرفة  الله  الحقيقية (يوحنا ١٤:‏٦)  وينال  الخلاص  الأبدي (أعمال ٤:‏١٢).

ومن هذا نعلم أن الوعد الذي وعد به الله منذ ألوف السنين آدم وابراهيم واسحق ويعقوب وداود قد أنجزه وصار ممكنا للإنسان أن يعتق من عبودية الخطية والشيطان وتعتق الأرض وتتغير حالتها إلى حالة السعادة والكمال أعظم بكثير مما كان قبل سقوط آدم في الخطية.

فأسفار العهد القديم والجديد معاً إنما هي إعلان واحد من لدن الله، أما العهد القديم فيشرح لنا كيف دخلت الخطية إلى العالم وكيف وعد الله بالخلاص منها. وأما العهد الجديد فيشرح كيف أكمل الله ذلك الوعد وكيف قدم المسيح حياته كفارة عن خطايا العالم (الرسالة الأولى ليوحنا ٢:٢) "ليهب الخلاص لكل من يُقبل إليه إقبالاً حقيقياً" (بشارة متى ١١:‏٢٨ ويوحنا ٦:‏٣٧).

أما من جهة الأنبياء والرسل فنؤمن أنهم مفوضون من عند الله لتعليم وتبشير العالم، فليسوا هم ملوكاً ولا ولاة، بل منذرين ينذرون الناس أن يتوبوا عن خطاياهم ويرجعوا إلى الله الحي، كما أنهم ليسوا بمعصومين من الخطية، وأنه لم يعش أحد معصوماً من الخطية سوى المسيح، ولنا الأدلة الكافية على عصمته منها شهادات الأنبياء (أشعياء ٥٣:‏٩ وقارن يوحنا ٨:‏٤٦) وشهادات تلاميذه (بطرس الأولى ٢:‏٢٢ ويوحنا الأولى ٣:‏٥ وعبرانيين ٤:‏١٥) ويشهد له نفس الذين صلبوه (لوقا ٢٣:‏٤ و١٤ و٤٧).

والقرآن مع نسبته الخطايا للأنبياء الآخرين لم ينسب واحدة ليسوع، بل يشهد له بأنه مطهَّر عنها.  قال  في  سورة  مريم ١٩:‏١٨ على لسان الملاك الذي بشَّر أمه به قَالَ "إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً" قال البيضاوي وغيره أي طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح، وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث المتفق عليه وهو قوله: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب أي المشيمة" (انظر مشكاة المصابيح باب بدء الخلق).

مع أن محمداً في قرآنه وحديثه ينسب خطايا كثيرة لغير المسيح من  الأنبياء  والرسل (انظر سورة طه ٢٠:‏١٢١  والبقرة ٢:‏٣٥ و٣٦ والمعارج ٧٠:‏١٩ والأنعام ٦:‏٧٦ .. الخ وإبراهيم ١٤:‏٤١ والقصص ٢٨:‏١٥ و١٦ والشعراء ٢٦:‏١٩-٢١ والأعراف ٧:‏١٥٠ ويوسف ١٢:‏٢٤ وص ٣٨:‏٢٤ و٢٥ و٣٤ و٣٥ والصافات٣٧:‏١٣٩-١٤٤ والفتح ٤٨:‏٢ وهود ١١:‏٤٤-٤٧ والانشراح ٩٤:‏٢ و٣ والأحزاب٣٣:‏١ والزمر ٣٩:‏٦٥ والمائدة ٥:‏١٧ وعبس ٨٠:‏١-٦ والأنعام ٦:‏٥٢ والنساء ٤:‏١٠٦ ومحمد ٤٧:‏٢١ وغيرها من الآيات القرآنية). وفي الحديث كثير من ذلك الحديث الصحيح قوله: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، وفي البخاري ومسلم حديث يرويه أبو هريرة أن رسول الله قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتين منهم في ذات الله .. الخ." وقد قال محمد أحاديث متعددة تفيد استغفاره وتوبته من ذنوبه منها قوله: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة" وقوله "توبوا إلى ربكم، فوالله أني لأتوب إلى الله عز وجل مائة مرة في اليوم،" وقال قتادة إنه قال عقب نزول قوله: "لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً" .. "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" إلى آخر الأحاديث.

وإننا لا نؤمن بعصمة الأنبياء والرسل في أعمالهم العمومية، لكننا نؤمن أنهم معصومون في تبليغ رسالة الله من أن يزيدوا عليها أو ينقصوا منها أو يلحقوا بها أقل تحريف، والعاصم لهم هو الروح القدس (بشارة متى ١٠:‏٢٠  ومرقس ١٣:‏١١  ويوحنا ١٤:‏٢٦ وتيموثاوس الثانية ٣:‏١٦ وبطرس الثانية ١:‏٢١).

ونحن المسيحيين وإن كنا نؤمن بأن الروح القدس ألهم الأنبياء والرسل أن يكتبوا ما كتبوا في أسفار العهد القديم والجديد، فإننا لا نؤمن بأن تلك الأسفار كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل خلق العالم ثم أملاها الروح القدس على الرسل والأنبياء حين كتبوها، فإن الله يتنزه عن أن يستخدم النبي كآلة صماء فاقدة الحس والعقل والإرادة والمعرفة إلى غير ذلك، بل يستخدم معرفته واختباره وعلمه وعقله وقلبه وروحه وجسمه، فيتكلم بالوحي وكأنه يتكلم من نفسه، وعليه نجد في الكتاب المقدس العنصر الإنساني كما نجد العنصر الإلهي (مواهب الإنسان مع الوحي).

وفي الكتاب المقدس أسرار تفوق مداركنا البشرية، استنتج بعضهم منها أنها مخالفة للعقل، والحقيقة ليست كذلك، بل لما كانت عقولنا هبة من الله فلا يمكن أن يكون وحيه الإلهي مخالفاً لها، بل بما أن عقولنا محدودة والله غير محدود، فمن الضروري أن نعجز عن إدراك ذات الله. فإن أتانا رجل بكتاب وادّعى أنه رسول الله يحمل إلينا كتاباً منه تعالى، ورأينا أن هذا الكتاب يعلن الله بحيث يحيط به العقل لعلمنا أن دعواه باطلة، فلا تبرح هذه الحقيقة من بالنا، وها إننا نزيدها عندما نبحث في الفصل التالي ما أوحاه الله لنا عن ذاته وصفاته.