الفصل الأوّل

أنواع المعجزة الحقيقية

توطئة

موقف القرآن السلبي من كل معجزة

(للاستاذ دروزة)

إن المعجزة دليل النبوّة الأوحد، بإجماع الكتب السماوية، وإجماع المتكلمين في كل دين. وينسب القوم في الحديث والسيرة والشمائل والمغازي إلى محمد معجزات تفوق معجزات عيسى وموسى وسائر النبيّين كمية وقيمة. وأبو بكر ابن العربي في تفسيره (أنوار الفجر) أوصلها إلى ألف معجزة عداً، وهو يقول: لقد لخصت واختصرت. وابن تيمية، في كتابه ﴿الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (٤: ٢٤٩) أوصلها إلى عشرات الألوف، قال: ﴿والمقصود هنا تواتر أنواع آياته المستفيضة في الأحاديث أعظم من أمور كثيرة هي متواترة عند الأمة أو عند علمائها وعلماء أهل الحديث. وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن... حتى بيّنوا أن ما في القرآن من الآيات يزيد على عشرات ألوف من الآيات. وهذا غير ما في كتب أهل الكتاب من الاخبار به. وهذه الأجناس الثلاثة غير ما في شريعته التي بُعث بها، وغير صفات أُمته، وغير ما بُذل من المعرفة بسيرته وأخلاقه وصفاته وأحواله. وهذا كله غير نصر الله وإكرامه لمن آمن به، وعقوبته وانتقامه ممن كفر به، كما فعل بالأنبياء المتقدمين. فإن تعداد أعيان دلائل النبوّة مما لا يمكن بشراً الاحاطة به. لكن القول الفصل في النبوّة والمعجزة هو للقرآن وحده: فهل يشهد القرآن لمحمد بمعجزة؟

إن الواقع القرآني المشهود هو ﴿موقف القرآن السلبي من كل معجزة له.

وقد أوجز هذا الموقف السلبي زعيم أهل السيرة العلمية في عصرنا، الأستاذ حسين هيكل في (حياة محمد): ﴿لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم، برسالة محمد، إلاّ القرآن. وهي مقالة زعيم أهل كتب الإِعجاز، الباقلاني: ﴿إن نبوّة النبي r معجزتها القرآن. فهي مقالة الأولين والاخرين بالاجماع: ليس في القرآن من معجزة سوى إِعجازه. فبحسب نص القرآن القاطع، واجماع العلماء فيه، ليس لمحمد من معجزة حسية تشهد لنبوته. هناك إِعجاز القرآن وحده  يشهد له. وسنرى في القسم الثاني: هل يعتبر القرآن إِعجازه معجزة له؟ وهل يصلح الإِعجاز البياني معجزة إلهية في النبوّة للعالمين؟

وقد فصل الأستاذ عزة دروزة ﴿موقف القرآن السلبي من المعجزة، في (سيرة الرسول ١: ٢٢٥ ـ ٢٢٦). قال: ﴿وقف الزعماء إزاء هذا الموقف القرآني من تحديهم، وأخذوا يطالبون النبي r بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه أولاً، ثم أخذوا يدعمون مطالبهم بتحدٍ آخر، وهو سُنّة الأنبياء السابقين الذين جاؤوا بالآيات والمعجزات (الإسراء ٩٠ ـ ٩٣، الحجر ٦ ـ ٧، الفرقان ٧ ـ ٨، القصص ٤٨، الأنبياء ٥). وقد تكرّر طلب الآيات من جانب الجاحدين، أو بالأحرى زعمائهم، كثيراً، حتى حكى القرآن المكي عنهم نحو خمس وعشرين مرة صريحة، عدا ما حكى عنهم من التحدّي الضمني، ومن التحدّي بالإتيان بالعذاب واستعجاله والسؤال عنه.

﴿ولا نعدو الحق اذا قلنا إن من المستفاد من الآيات القرآنية المكية أن الموقف تجاه هذا التحدّي المتكرر كان سلبيّاً، إذا ما استثنينا الإشارة إلى القرآن كآية كافية، أو إلى احتوائه ما في الكتب السماوية كآية على صحة وحي الله به (الأنعام ٣٧، يونس ٢٠، الرعد ٧، طه ١٣٣، الشعراء ١٩٧، العنكبوت ٥٠ ـ ٥٤، الملك ٢٥ ـ ٢٦).

﴿بل هناك ما هو أبعد مدى على الموقف السلبي المذكور: إن المسلمين كانوا يتمنون استجابة الله لتحدي الكفّار وإظهار معجزة تُبهتهم فيؤمنون بَراً بإيمانهم (الأنعام ٧ و١٠٩ ـ ١١١، الحجر ١٤ ـ ١٥) وفي (الأنعام ١٤) آية وجّه فيها الخطاب الى النبي r تدل على أنه هو نفسه كان يتمنى أن يُحدث الله على يده آية تبهت الكفّار وتحملهم على الاذعان. وفي سورة (هود ١٢) آية عظيمة المغزى من ناحية شعور النبي r هذا، إذ تكشف عما كان يخالج نفس النبي r من حيرة وضيق بسبب تحدّي الكفّار إياه بالمعجزات، حتى لقد كان يترك أحياناً تلاوة بعض ما يوحى إليه عليهم، أو يكاد صدره يضيق به لتوقعه منهم التحدّي. وقد روى الرواة في صدد الآية ما فيه توضيح أكثر إذ قالوا: إن الكفّار كانوا يطالبون النبي r بالمعجزات فلا يستجيب إليهم، ثم تُوحى إليه الآيات القرآنية، فيسخرون منه، ويقولون: هلاّ استنزلت ملاكاً أو كنزاً، بدلاً من هذه الآيات؟ فكان يخجل ويتهرب منهم أحياناً.

﴿ونعتقد أن من السائغ أن يُقال: إن هذا الموقف السلبي كان من عوامل تكرر التحدّي من جانب الزعماء المكابرين المستكبرين، وانقلاب أسلوبهم فيه إلى التعجيز حيناً (الإسراء ٩٠ ـ ٩٣)، وإلى السخرية حيناً (الحجر ٦ ـ ٧)، والالتجاء إلى الله (الأنفال ٣٢)، كما كان دعامة لصدّهم وتعطيلهم وخبث دعايتهم ومكرهم ضد النبي r ودعوته أيضاً، بل لعله كان من أسباب تمسك المعتدلين بجحودهم أولاً، وانجرافهم مع المعاندين أخيراً...

﴿نقول ما قلناه ونحن نعرف أن كثيراً من المفسرين قالوا: ١) آيات سورة القمر الأولى احتوت معجزة انشقاق القمر فعلاً بمكّة، ورووا أحاديث عدة مؤيدة لقولهم، وفي بعضها مـا يفيد أن هذه المعجزة قد وقعت جواباً على تحدي الكفّار ١ . ٢) إن حادث الإسراء ٢  الذي ذُكر بصراحة في الآية الأولى من سورة (الإسراء) يسلك في عداد المعجزات النبوية، ومثله حادث المعراج الذي ذكر ضمناً، على رأي بعض العلماء في بعض سورة (النجم). ٣) ﴿إن في القرآن تأييدات ربانية للنبي r والمسلمين في بعض المواقف والأزمات، وخاصة في أثناء الجهاد، كما أن فيه ما يدل على أن النبي r قد أطلع على بعض الامور المغيبة ٣ ممّا عُدَّ في عداد المعجزات النبوية. ٤) إن في كتب الحديث والسيرة والشمائل روايات كثيرة عن معجزات نبوية، منها ما روى أنه وقع في مكّة جواباً على تحدي الكفّار.

﴿غير أننا في الحق نرى أن الموقف السلبي الذي تمثله آيات القرآن عاماً وقوياً، من الصعب أن ينقصه ذلك.

ثم انتهى إلى القول ﴿وهذه النواحي الايجابية في النصوص القرآنية يصح أن تكون مفسرة لحكمة ذلك الموقف السلبي، بحيث يصح أن يستلهم منها، وأن يقال ـ وقد ألمح الى ذلك غير واحد من الباحثين أيضاً ـ إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته.

فالواقع القرآني شاهد عدل إذن أنه لا معجزة في القرآن، وبالتالي في الحديث والسيرة والشمائل: ففي هذه إفتراء على التاريخ، وفي تفسير القرآن تخريج مغرض، وذلك بشهادة القرآن الصريحة القاطعة، في موقفه السلبي من كل معجزة لمحمد.

بحث أول

الواقع القرآني ينفي المعجزة عن محمد

وإنه لبحث طريف ان نستقرىء تلك الشهادة الصريحة القاطعة، لنستطلع بالتفصيل موقف القرآن السلبي، واقرار نبيه بعجزه عن كل معجزة.

نتبع في ذلك ترتيب النزول التاريخي الذي يعتمده أثمة المسلمين ٤ .

إن الآية الأولى التي تلاها نبي القرآن كانت أمر الوحي له: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق! إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم (العلق ١ ـ ٥). تلك الآيات التي تكرر الأمر بالقراءَة والتعلّم بالقلم تقضي منذ مطلع الدعوة على القول بأمية محمد التي يجعلونها أساس اعتبار الإِعجاز القرآني معجزة.

في السورة الثانية (القلم) يسمّون دعوته ﴿أساطير الأولين فلا يرد التحدّي، بل يستعلي عليهم: ﴿أم لكم كتاب فيه تدرسون!... أم عندهم الغيب فهم يكتبون!  (٣٧ و٤٧). إن الإشارة واضحة: محمد أفضل منهم لأن عنده كتاباً فيه يدرس، وعنده غيباً منه يكتب، فليس التعليم الذي يبلغهم إياه «أساطير»، بل تنزيل الله في الكتاب من قبله. إنه منذ البدء يشير إلى مصادره الكتابية، ويثبت لهم حقيقة ثقافته الكتابية بالدرس والكتابة.

في السورة الثالثة (المزمل) يُدعى محمد إلى قيـام الليل للصـلاة وترتيل القرآن: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً لاحظ تعبير ﴿القرآن على الإطلاق، فهو قائم يتلونه كل يوم في قيام الليل، كعادة الرهبان النصارى وحدهم. ولم ينزل من قرآن محمد سوى عشر آيات، فاتحة سورتي العلق والقلم، لا تكفي للتلاوة في قيام الليل: فما هو هذا ﴿القرآن الذي يُدعى لترتيله؟ نرى الجواب في قوله: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلو القرآن (النمل ٩١ ـ ٩٢). إِن ﴿المسلمين موجودون قبل محمد، وهو يُؤمر بالانضمام إليهم وتلاوة ﴿القرآن معهم أي قرآن الكتاب.

في السورة الرابعة (المدّثر) يصف وقع الدعوة عليهم: ﴿هذا سحر، لكن في نظر قائلها ـ الوليد بن المغيرة المخزومي ـ ﴿إنْ هـذا إلاَّ سحر يؤثر! إن هذا إلا قول البشر! (٢٤  ـ ٢٥). تعبير آخر لقولهم ﴿أساطير الأولين. فهو يدعوهم بدعوة الكتاب؛ لذلك يطالبونه بإبراز الكتاب الذي فيه يدرس، والغيب الذي منه يكتب: ﴿بل يريد كل امرىء أن يُؤتى صحفاً منشرة (٥٢). فلا يبرزها، فيعرضون ﴿كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة ـ أي أسد (٥٠ ـ ٥١).

في السورة الخامسة (الفاتحة) يطلب لنفسه ولجماعته الهداية إلى الصراط المستقيم. وهذا الصراط المستقيم هو ما يتلوه عليهم من قرآن الكتاب (المزمل ٤ مع النمل ٩١ ـ ٩٢).

هذا ما يصرّح به في السورة السابعة (التكوير)، حيث نجد أوّل وصف لرؤيا غار حرّاء: ﴿وإنه لقول رسول كريم... ولقد رآه بالأفق المبين، وقول الرسول الكريم نعرف مضمونه من سورة (الشورى ٥٢ مع ١٥) حيث يأمره الوحي بالإيمان بالكتاب وتلاوته على العرب، هذا هو الصراط المستقيم الذي يُهدى إليه: ﴿وإنك لتُهدى إلى صراط مستقيم (٥٢)، ﴿وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم (١٥)، هذا هو دين إبراهيم وموسى وعيسى الذي يشرعه الله في القرآن للعرب (الشورى ١٣).

يؤكد ذلك منذ مطلع الدعوة، في السورة الثامنة (الأعلى) حيث يدعو لتوحيد ﴿الرب الأعلى بدعوة الكتاب نفسه: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى (١٨ ـ ١٩). ونجد هذه الدعوة القرآنية بحرفها في التوراة: ﴿إيل عليون (التكوين ١٤: ١٩ ـ ٢٠)، فهي صورة التوحيد السامي الأصيل، الذي يدين به ﴿ملك شاليم (القدس)، ملكي صادق في زمن إبراهيم الخليل.

وهكذا بعد عشر سور، أو مقاطع منها، فتر الوحي القرآني أياماً أو شهوراً أو ثلاث سنين، على أقوال مختلفة. وينقل صحيح البخاري إن فتور الوحي كان بسبب وفاة قس مكّة، معلّم محمد، وهو ورقة بن نوفل ابن عمّ (أو عمّ) السيدة خديجة، ثرية مكّة التي كانت تجارتها تعدل تجارة قريش، ووليّها الذي أزوجها محمداً. فتأثر محمد تأثراً بالغاً حتى كاد ينتحر. فجاءت السورة الحادية عشرة (الضحى) تعزيه وتذكّره بنعم الله عليه: ﴿ألم يجدك يتيما فآوى! ووجدك ضالاً فهدى! ووجدك عائلاً فأغنى. فالقرآن يذكر لمحمد هداية بمناسبة زواجه من خديجة، وما كانت هذه الهداية إلا إلى دين قس مكّة ورق بن نوفل، أي هداية إلى ﴿النصرانية، وهي الشيعة بالنسبة إلى السنة المسيحية. وحزن محمد من وفاة معلمه طويلاً، حتى أو شك أن ينتحر، وهذا الدليل الأكبر مع القرآن على اتجاه النبي العربي في دعوته. فالوحي القرآني كان هداية من الضلال إلى ﴿صحف إبراهيم وموسى كما يفهمها قس مكّة ﴿النصراني، الى التوحيد الواحد الوحيد بين ﴿إبراهيم وموسى وعيسى (الشورى ١٣).

في السورة الثانية عشرة (الشرح)، بعد التعزية عن فتـور الوحي، يأتي الغفران: ﴿ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك (١ ـ ٣). أيكون هذا الوزر الثقيل فكرة الانتحار التي ساورت النبي في أزمة الوحي ووفاة معلمه، قس مكّة؟

بعد الأزمة، جاء وقت تحديد الدعوة. فحددها سلباً في السورة الثامنة عشرة (الكافرون) حيث يعلن تبرُّؤَه من شرك قومه: ﴿يا أيها الكافرون... لكم دينكم ولي دين. فما هو دين محمد؟ يحدده ايجاباً في السورة الثانية والعشرين، (الإخلاص)، حيث يعلن التوحيد الكتابي الخالص، بحرفه العبراني: ﴿قل: هو الله أحد كما ورد في التوراة (سفر التثنية ٦: ٤) وفي الإنجيل (مرقس ١٢: ٢٩): ﴿يهو ه الهنا هو الله أحد وهي شهادة التوحيد عند بني إسرائيل، من يهود و﴿نصارى والشاهد على صحة هذا المصدر قوله: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (الشعراء ١٩٧)، الذي يفسره قوله: ﴿بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أُوتوا العلم (العنكبوت ٤٩)، النصارى من بني إسرائيل، لأن اليهود كانوا ﴿أول كافر به. وخير شـاهد أيضاً صيغة التوحيد القرآني: ﴿هو الله أحد، فقوله ﴿هو الله تعريب ﴿يهو ه، ولا يستقيم لهـا تخريج آخر، يؤيد ذلك صيغة ﴿أحد في الاثبات، وهي لا تأتي عادة في العربية إلا في حال النفي.

حتى الآن كانت الدعوة ﴿سرّية أي بين الأفراد. نقل السيوطي (الإتقان ١: ٢٥) ﴿إن أول سورة أعلنها رسول الله بمكّة: النجم، وهي الثالثة والعشرون في تاريخ النزول. وفيها يؤكد أن الدعوة القرآنية ﴿وحي يوحى علمه شديد القوى. وفيها الوصف الأول لرؤيا ملاك الوحي في غار حرّاء. والوصف الثاني في (الشورى ٥٢ مع ١٥) يفسر هذا ﴿الوحي يوحى بأنه هداية إلى الصراط المستقيم، الإيمان بالكتاب والدعوة له، بحسب قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة... أمراً من عندنا، إنا كنا مرسلين (الدخان ٣ ـ ٥).

الخامسة والعشرين (القدر) يأتي أول تصريح عن زمن الوحي: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر. وهو مثل قوله: ﴿إنـّا أنزلناه في ليلة مباركة (الدخان ٣) حيث الضمير معلن في قوله: ﴿أمراً من عندنا، إنـّا كنا مرسلين (الدخان ٥). فالمنزل هو ﴿الأمر بالرسالة. هذا هو ﴿القرآن الذي نزل جملة: ﴿آمنت بما أنزل الله من كتاب (الشورى ١٥)، بحسب آيتي سورة  (الدخان ٣ ـ ٥). فما الدعوة القرآنية كلها سوى تفصيل هذا ﴿الأمر في ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧).

والسورة التاسعة والعشرون (قريش) توضح أهل الدعوة الأولين موضوعها: ﴿لإيلاف قريش: فليعبدوا رب هذا البيت! حسب الوهم المشهور كان ﴿البيت العتيق، كعبة شرك وأوثان. فهل يأمر القرآن بالشرك؟ هذا كفر بحقه. إن القرآن العربي يشهد بأن الكعبة كانت معبد توحيد، وتمثيل المسيح وأُمه على جدرانها، كما روى الأزرقي، وذلك قبل البعثة بخمس سنوات، عند تجديد بنائها، يشهد بأنها كانت معبداً مسيحياً، يطوف به قس مكّة ﴿النصراني ورقة بن نوفل. وما كان القس ليطوف بمعبد شرك وأوثان، وما كان القرآن ليأمر بعبادة ﴿رب هذا البيت ربّ شرك وأوثان. هذه شهادة قرآنية أولى على ذلك.

والشهادة الثانية في السورة الخامسة والثلاثين (البلد) حيث يقسم: ﴿لا! أقسم بهذا البلد، وأنت حلٌّ بهذا البلد، ووالد وما ولد: لقد خلقنا الانسان في كبد (١ ـ ٤). إن القسم ﴿بوالد وما ولد قَسَم مسيحي بالله والمسيح ـ لا ﴿بآدم وذريته كما يقول الجلالان ـ وهو قسم تردده عقيدة النصارى من بني إسرائيل، كما نقلها القرآن في قوله: ﴿قلْ: هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد. وقسم القرآن ﴿بهذا البلد برهان على أن مكّة كانت بلد توحيد، بخلاف الوهم المشهور، وإلاَّ جعلنا القرآن يقسم ببلد مشرك، معاذ الله! إنما شرك أهل مكّة كان ﴿الى الله (الزمر ٣)، لا عبادة مخلوق مع الخالق. فالقسم الثنائي ﴿بهذا البلد، ووالد ما ولد شهادة قائمة لسيطرة المسيحية على مكّة والكعبة، بخلاف ما يتوهمون ويوهمون. وإعلان القرآن: ﴿قل: هو الله احد، لم يلد ولم يولد هو اشهار الصراع الناشيء بين ﴿النصرانية والمسيحية، للسيطرة على مكّة والكعبة، بفضل الدعوة القرآنية.

وفي السورة السابعة والثلاثين (القمر) يفتتح القصص القرآني. وفيها يذكر مصادر دعوته وقصصه، ويستعلي بها على المشركين من بنى قومه: ﴿أكفاركم خير من أولئكم؟ أم لكم براءَة في الزُبر؟ (٤٣). ويكرر: ﴿وكل شيء فعلوه في الزُبر (٥٢). وهو مثل قوله: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين... وإنه لفي زبر الأولين: ألم يكن لهم آيـة أن يعلمه علماء بني إسرائيل (الشعراء ١٩٢ ـ ١٩٧)، ﴿زبر الأولين أي ﴿كتبهم كالتوراة والإنجيل (الجلالان). فالقرآن ينتسب في دعوته إلى النصارى من بني إسرائيل، ﴿المسلمين من أهل الكتاب، الذين يتلو معهم ﴿قرآن الكتاب (القلم ٣٧ ـ ٣٨، المزمل ١ ـ ٥).

نصل الى سورة (الأعراف)،التاسعة والثلاثين. وهي سورة متبعّضة أي فيها آي مكي وآي مدني (حديث النبي الأمّي)، من أزمنة مختلفة. و(الأعراف) مع (الأنعام) هما صورة الجدال الأكبر في الدعوة والمعجزة التي يطلبون لتأييدها. يصرح: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون (٥٢): فالقرآن العربي إنما هو ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧)، على طريقة ﴿أولي العلم، ﴿الصالحين كناية عن ﴿النصارى من بني إسرائيل: ﴿ومن قوم موسى أمة  يهدون بالحق وبه يعدلون (١٥٩). فعلى مثالهم يدعو ﴿النبي الأمّي الذي يؤمن بالله وكلمته ٥ (١٥٨) أي بالله والمسيح. فالدعوة القرآنية دعوة ﴿نصرانية: ﴿إن ولىَّ الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولّى الصالحين (١٩٦). وهؤلاء ﴿الصالحون هم ﴿ممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (١٨١ قابل ١٥٩)، أي ﴿النصارى من بني إسرائيل. فهو يدعو في القرآن بدعوة هؤلاء ﴿النصارى الصالحين. وشهادتهم له هي كل برهانه على صحة دعوته. يتحدونه بمعجزة فيجيب: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا: لولا اجتبيتها! (٢٠٣) أي ﴿لولا أنشأتها من قبل نفسك (الجلالان). ويتحدونه بنبوءَة غيبية فيجيب: ﴿قل: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، إلا ما شاء الله! ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء! إنْ أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (١٨٨). فليس في القرآن العربي نبوءة غيبية، ولا معجزة حسية، إنما هو قرآن الكتاب على العرب: ﴿واذا قُرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون (٢٠٤)، فالقرآن الذي يتلوه عليهم هو غير هذا القرآن العربي الذي يقص الخبر: فالقرآن المُخبر هو غير القرآن المخبر عنه، لاحظ استعمال التعريف المطلق دائماً: ﴿القرآن منذ مطلع الدعوة (المزمل ٤) ولم ينزل من القرآن العربي، حينئذٍ إِلاَّ آيات معدودات، حتى الآن (الأعراف ٢٠٤). فالقرآن العربي هو دعوة لقرآن الكتاب، ﴿للقرآن على الإطلاق، بلا نبوءة غيبية ولا معجزة حسية، إنه ﴿تفصيل الكتاب للعرب. وفي هذا ﴿التفصيل نبوءَة محمد كلها، ودعامة صحتها.

في الحادية والأربعين (يس) يقسم: ﴿والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين، على صراط مستقيم، وتنزيل العزيز الرحيم، لتنذر قوم ما أنذر آبائهم فهم غافلون (١ ـ ٦). ليس المقسم به ﴿القرآن الحكيم والمقسم عليه القرآن العربي واحداً؟ وما نزل من القرآن العربي لم تكن له هذه الحرمة عند المشركين حتى يصح القسم به، وليس هو بالمعروف المشهور المطلق حتى يسميه ﴿القرآن الحكيم: فهذا ﴿القرآن الحكيم الذي يدعو إليه القرآن العربي هو الكتاب المقدس. فقرآن الكتاب هو ﴿تنزيل العزيز الرحيم، ومحمد ﴿من المرسلين، على صراط مستقيم بالدعوة له. وهذا ﴿الصراط المستقيم هو ﴿طريق الأنبياء من قبلك (الجلالان). اسم الدعوة يدل عليها: ﴿إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين (٦٩). فدعوة محمد قراءَة عربية للكتاب الإمام، وذكر منه. ومع ذلك فمشركو مكّة يُعرضون عنه لأنه لا يأتيهم بمعجزة كالأنبياء الأولين: ﴿وما تأتيهم من آية (خطابية) من آيات ربهم إِلا كانوا عنها معرضين (٤٦). يطلبون معجزات حسية فيقدم لهم آيات خطابية، فيردونها إلى الشعر أو إلى السحر (٦٩).

في الثانية والأربعين (الفرقان) يشتد الخصام، لعجز محمد عن معجزة تفحمهم: ﴿وقال الذين كفروا: إن هذا إلاّ إفك افتراه، وأعانه عليه قوم آخرون! ـ فقد جاؤوا ظلماً وزوراً (٤). إنه يرد التهمة بكلمة ساحقة. لكن الرد يقع على الإفتراء، لا على معونة قوم آخرين ينتسب محمد اليهم في دعوته: ﴿وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا! - قل: أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض! (٥ ـ ٦). تراجعوا عن قولهم: ﴿أفك افتراه، وسموه: ﴿أساطير الأولين أي أساطير أهل الكتاب. فرد عليهم: ليس ما يدعوهم اليه ﴿أساطير بل تنزيل الله في الكتاب. فلا يرد مباشرة على تهمتهم: ﴿اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. وبما أن النبي يدّعي إن دعوته تنزيل، فهم يطلبون منه معجزة (٧ ـ ٨) فيتهرّب. يعاودون الكرة (٢١) فيتهرّب أيضاً. حينئذ يتحدّونه بالاتيان بالقرآن جملة: ﴿وقال الذين كفروا: لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة (٣٢) - كالتوراة والإنجيل والزبور (الجلالان) ـ فيجيب: كذلك، لنثبت به فؤادك! ورتلناه ترتيلاً (٣٢): القرآن عليه كان لتثبيت محمد نفسه قبل دعوة غيره. والدعوة القرآنية ليست إفتراء ولا أساطير، إنما هي قرآن الكتاب كما عند ﴿الأولين، كما يتضح من القول المتواتر ﴿أساطير الأولين كما نعتوها (٨: ٣١، ٢٣: ٨٣، ٢٥: ٥، ٢٧: ٦٨، ٦٨: ١٥، ٨٣: ١٣).

في الثالثة والأربعين (فاطر) يظهر تضامنه في دعوته مع طائفة ﴿أولي العلم من أهل الكتاب: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور (٢٩). فهو يشهد بأن ﴿كتاب الله موجود قبل القرآن العربي، وأن ما يتلوه أهل الكتاب في زمان محمد لم يزل ﴿كتاب الله، ويشهد أيضاً بأن تلك الطائفة الصالحة تؤازر الدعوة القرآنية وتنفق في سبيلها سراً وعلانية، وهم ﴿أولو العلم من أهل الكتاب، فيجيبهم بقوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء (٢٨). ليس هذا تعبيراً لغوياً كما يفهمونه، إنما هو اصطلاح قرآني، كناية عن ﴿أولـو العلم من أهل الكتاب أي ﴿النصارى من بني إسرائيل. فيتعنّت المشركون، فيستعلي عليهم ﴿بكتاب الله الذي يتلوه مع ﴿العلماء من أهل الكتاب: ﴿أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه؟ (٤٠) إن محمداً عنده ﴿كتاب الله وهو على بينة منه، ويدعوهم إليه حسب رغبتهم وقسمهم: ﴿وأقسموا بالله جهد إيمانهم: لئن جاءَهم نذير، ليكونن أهدى من إحدى الامم (٤٢) ـ أي اليهود. إن محمداً، بتضامن مع ﴿أولي العلم من أهل الكتاب، حقق للعرب أمانيهم، ﴿فلما جاءَهم نذير ما زادهم إلا نفوراً واستكباراً في الأرض، ومكر السيء (٤٢ ـ ٤٣). وسبب ذلك عجزه عن معجزة، هي سُنّة الأنبياء الأولين، كما ينتظرونها منه: ﴿فهل ينظرون الا سُنّة الأولين؟ ـ فلن تجد لسُنّة اللهِ تبديلاً! ولن تجد لسُنّة اللهِ تحويلاً (٤٣). لقد منعت المعجزات عن محمد، ولا أمل في تبديل وتحويل سُنّة اللهِ (قابل الإسراء ٥٩).

وهكذا انتهى العهد الاول بمكّة، بالهجرة الجماعية إلى الحبشة المسيحية. لقد احتمى المسلمون المضطهدون عند بنى دينهم. جاءَ في (الإتقان ١: ١٩): ﴿ينبغي أن يمثل لما حُمل إلى الحبشة بسورة مريم. فقد صح أن جعفر بن أبي طالبٍ قرأها على النجاشي. أخرجه محمد في مسنده. وسورة مريم، الرابعة والاربعون، إعلان إيمان الدعوة القرآنية بالمسيح وأمه. فالقرآن دعوة انجيلية على طريقة ﴿النصرانية. هذا ما نراه أيضاً في العهد الثاني بمكّة.

رجع النبي العربي إلى دعوته، ورجع مشركو مكّة إلى تعجيزه بمعجزة كالأنبياء الأولين. هذا نراه في سورة (طه)، الخامسة والأربعين: ﴿وقالوا: لولا يآتينا بآية من ربه! ـ أوَ لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (١٣٣) لا معجزة عند محمد مثل سائر الأنبياء، معجزته أن القرآن العربي ﴿بينة ما في الصحف الأولى، وهذا البيان شهادة له على صحة دعوته.

وفي (الشعراء)، السابعة والأربعين، يأتي التصريح الكامل في معنى دعوته ونبوته. يستفتح بذكر إعراضهم المتواصل (١ ـ ٩) لأن المعجزة المطلوبة لم تأتِ (٤). ويرد على كفرهم بدعوته بهذا التصريح:

﴿وإنه لتنزيل رب العالمين .. نزل به الروح الامين

على قلبك لتكون من المنذرين .. بلسان عربي مبين

وإنه لفي زبر الاولين .. أو لم يكن لهم أن يعمله علماء بني اسرائيل

ولو نزلناه على بعض الاعجمين .. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين

(١٩٢ ـ ١٩٩)

أجل إن القرآن العربي هو أيضاً ﴿تنزيل رب العالمين (١٩٢)، لكنه ﴿في زبر الأولين (١٩٦) أي ﴿كتبهم كالتوراة والإنجيل (الجلالان) وهذه هي البيّنة الأولى على صحته. فهو تعريب التنزيل ﴿بلسان عربي مبين، كما أمره به ملاك الله في رؤيا غار حرّاء، ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين. والشهادة على مطابقة القرآن العربي لكتاب الله في زبر الأولين، هي شهادة ﴿علماء بني إسرائيل أي ﴿أولي العلم من بني إسرائيل، بحسب الاصطلاح القرآني المتواتر ٦ ، وهم ﴿النصارى من بني إسرائيل، فشهادتهم لمطابقة الدعوة القرآنية لكتاب الله الامام هي البيّنة الثانية على صحتها. لا معجزة عنده سوى ذلك، فالتضامن في الدعوة والشهادة لها كامل بين محمد و﴿علماء بني إسرائيل أي ﴿النصارى، لذلك فالقرآن العربي دعوة ﴿نصرانية.

وفي (النمل)، الثامنة والأربعين يعلن أن أولئك ﴿النصارى من بني إسرائيل هم ﴿المسلمون الحقيقيون الذين ينتمى محمد إليهم، ويتلو معهم قرآن الكتاب بقراءَتهم. قابل فاتحة السورة: ﴿تلك آيات القرآن وكتاب مبين، هدى وبشرى للمؤمنين... وإنك لتُلقى القرآن من لدن حكيم عليم (١ ـ ٦)، مع خاتمتها: ﴿وأُمرتُ أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن (٩١ ـ ٩٢). ﴿فالمسلمون موجودون قبل محمد، وهم ﴿من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (الأعراف ١٥٩)، ويعرفون ﴿القرآن قبل محمد: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (الشعراء ١٩٧)، بل ﴿هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم (العنكبوت ٤٩). إن ﴿علماء بني إسرائيل ليسوا اليهود، ﴿أول كافر به، بل النصارى من بني إسرائيل، الذين فرضوا ﴿نصرانيتهم على الجزيرة باسم الإسلام الذي أسهموا في نشأته وذابوا فيه (الصف ١٤). و﴿القرآن، ﴿القرآن العظيم موجود معهم ﴿آيات من الكتاب المبين، ومحمد مأمور بأن ينضم اليهم، ويتلو معهم هذا ﴿القرآن. لاحظ الاستفتاح: ﴿تلك وهي اشارة الى ما يسبق السورة القرآنية العربية من تلاوة ﴿آيات القرآن من الكتاب المبين، وما السورة التي تستفتحها الآية سوى تعليق على تلك التلاوة. هذا الواقع القرآني شاهد عدل على أن محمداً انضم إلى النصارى ﴿المسلمين قبله، وتلا الكتاب المبين على العرب ﴿بقرآنهم أي قراءَتهم العربية له، بإشراف ﴿حكيم عليم منهم.

وفي هذه السورة التصريح بغاية الدعوة القرآنية: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (النمل ٧٦). بنو إسرائيل اختلفوا في المسيح الى يهود ونصارى، والدعوة القرآنية قامت ـ مع هداية مشركي العرب الى التوحيد الكتابي - للفصل في الخلاف على المسيح بين اليهود والنصارى من بني إسرائيل. وسيقول القرآن المدني بأن غايته تأييد هذه النصرانية الإسرائيلية على اليهودية حتى الظهور عليها (الصف ١٤). فوقف القرآن كله حتى آخر عهده، ومجادلة وفد نجران المسيحي اليعقوبي، موقف الحياد من المسيحية كلها. وموقف الحياد هذا لا يمنع بيان الاختلاف في العقيدة معها من حين لآخر، بيان ﴿نصرانية العقيدة القرآنية.

ثم يقول ﴿وأُمرت أن أعبد رب هذه البلدة... وأمرت أن أكون من المسلمين (٩١). إن مكّة لم تطهر بعد من الشرك، فمن هو ﴿رب هذه البلدة؟ وكيف يؤالف بين هذه العبادة، وبين دعوة ﴿المسلمين الذين انضمّ اليهم؟ إما هو إله الشرك، وإما هو إله ﴿المسلمين من قبله، النصارى من بني إسرائيل. اتهام القرآن العربي بالدعوة لإله الشرك كفر! إِن ﴿رب هذه البلدة هو الله، إله المسيحية السائدة في مكّة، والذي يعبده أيضاً ﴿المسلمون من قبل محمد، ﴿النصارى الذين أُمر بأن ينضم إليهم، ويعبد الله بعبادتهم، ويدعو بدعوتهم، في منافسة المسيحية، ومحاربة الشرك، وهذه شهادة قرآنية ثالثة على سيادة التوحيد المسيحي بمكّة والكعبة. فلا يقبلون دعوته لأنها بدون معجزة كالأنبياء الأولين. أما محمد فيأمل أن تأتي المعجزة: ﴿وقل: الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها (٩٣).

وفي (القصص)، التاسعة والأربعين، يقص عليهم سيرة موسى، ﴿فلما جاءَهم الحق من عندنا قالوا: لولا أُوتي مثل ما أُوتي موسى! ـ أو لم يكفروا بما أُوتي موسى من قبل؟ قالوا: سحْران (ساحران) تظاهرا! وقالوا: إنا بكلٍ كافرون! ـ قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه، إن كنتم صادقين (٤٨ ـ ٤٩). هذا مطلع التحدّي بالقرآن، وفي آية (القصص ٤٩) معنى تحدي العرب بإعجاز القرآن: إنه تحدّ بالهدى، لا بالنظم والبيان، كما يتوهمون ويوهمون. لكن ﴿الكتاب في هذا ﴿الهدى هو والقرآن سواء: ﴿أهدى منهما. فالتحدّي موجه للمشركين، لا للكتابيين. فعلى ضوء هذا الاستفتاح بالتحدّي بالقرآن، يجب فهم قصة إِعجاز القرآن العربي كلها. وسـنرى أن القرآن في ﴿الهدى تابع للكتاب إِماماً له: ﴿ومن قبله كتاب موسى إِماماً ورحمةً، وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً (الأحقاف ١٢، قابل هود ١٧): فليس إِعجاز القرآن معجزة له. والسورة تشهد بإسلام ﴿النصارى قبل القرآن العربي، وبإسهامهم في الدعوة القرآنية: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، واذا يُتلى عليهم قالوا: آمنّا به، إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين! أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، ويدرأون بالحسنة السيئة، وممّا رزقناهم ينفقون، واذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (٥٢ ـ ٥٥). قال الجلالان: ﴿نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام، وغيره من النصارى قدموا من الحبشة ومن الشام. تفسير متناقض مع صريح الآية ﴿إنا كنا من قبله مسلمين. وإسلام نفر من اليهود أو من المسيحين لا يأخذ هذا التعبير الشامل، ولا يمكن أن يقولوا: ﴿إنا كنا من قبله مسلمين ولا اليهود، ولا المسيحيون أسهموا في نشر الدعوة القرآنية بإعلان الإيمان بها والشهادة لها، واحتمال ﴿اللغو أي ﴿الشتم والاذى من الكفّار لذلك، والانفاق في سبيلها، إنهم وحدهم النصارى من بني إسرائيل (الأعراف ١٥٧، الصف ١٤) الذين أسهموا بتلك الاعمال في إنشاء الإسلام وذابوا فيه. وذوبانهم في الإسلام أضاع معالمهم على المفسرين فخبطوا فيهم خبط عشواء. وإعلانهم ﴿إنا كنا قبله مسلمين شهادة بأن الإسلام اسلامهم، والدعوة القرآنية ﴿نصرانية. ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين، ﴿لإيمانهم بالكتابين (الجلالان). كانت آية (النمل ٩١) إعلاناً بانضمام محمد إلى ﴿المسلمين النصارى، وجاءَت آية (القصص ٥٣) إعلاناً لانضمام النصارى إلى الدعوة القرآنية. على ضوء هذا الواقع نفهم قوله المتواتر: ﴿فلا تكوننَّ ظهيراً للكافرين، ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك، وادعُ الى ربك ولا تكوننَّ من المشركين، ولا تدعُ مع الله إلهاً آخر (٨٦ ـ ٨٨). يقصد ﴿الكافرين بدعوته من أهل الكتاب اليهود والمسيحيين، و﴿المشركين من العرب، فقوله: ﴿لا تدع مع الله إلها آخر قد يعني الشرك، وهذا بعيد عن محمد، وقد يعني عبادة المسيح عند المسيحيين، وهذا أقرب الى السياق. والنهي دليل على صراع المسيحية والنصرانية لاكتساب محمد وآله. على كل حال فآية محمد هي شهادة ﴿النصارى له، لا المعجزة.

وفي (الإسراء)، السورة الخمسين، يأتي التحدّي الأول والأكبر بالقرآن: ﴿قل: لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (٨٨). ان التحدّي بالقرآن صريح شامل. لكن ما معناه؟ تصاريح السورة عينها تدل عليه. فهو واقع بين تصريحين يحددان معناه. التصريح الاول يفيد أن المعجزات منعت عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً: ﴿وما منعنـا أن نرسل بالآيات، إلا أن كذب بها الأولون (٥٩)، فمهما كان السبب، فمبدأ امتناع المعجزة على محمد قائم، بنص القرآن القاطع. وبعد التحدّي (٨٨) يأتي الواقع المشهود، فهم يعددون له أنواع المعجزات التي يطلبونها منه لأنها ﴿سُنّة الأولين، وقالوا لن نؤمن لك حتى... قل: سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً! (٩٠ ـ ٩٣). إنه الاقرار الواقعي المشهود بعجز محمد عن كل معجزة. والعلة التي يقدمها لتبرير عجزه، كانت أيضاً في الأنبياء السابقين، فقد كان كل نبي أتى بمعجزة ﴿بشراً رسولاً، وأتى بالمعجزة دليل النبوّة. هكذا يجمع القرآن الواقع المرير إلى المبدأ الخطير: عجز محمد عن معجزة، والامتناع المبدئي فيه لكل معجزة. وهذان المبدأ والواقع يمنعان من اعتبار إِعجاز القرآن معجزة. ولا يصح تفسير التحدّي بالقرآن إلا أنه تحدٍّ ﴿بالهدى كما استفتح به (القصص ٤٩) وبما انه في ﴿الهدى مع الكتاب سواء، فهو تحدٍّ للمشركين وحدهم، بالإِعجاز في الهدى، لا بالإِعجاز في البيان. لذلك ليست آيته المعجزة على اطلاقها، بل شهادة ﴿أولي العلم النصارى له: ﴿قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا! إن الذين اوتوا العلم من قبله، اذا يُتلى عليهم يخرون للاذقان سجداً (١٠٧). فالقرآن هو اسلام ﴿أولي العلم، فهو دعوة ﴿نصرانية، حتى سجود المسلمين في الصلاة هو عادة ﴿نصرانية: ﴿يخرون للاذقان سجداً. ومن ﴿العلم النصراني لا يبلغ القرآن الا القليل: ﴿ويسألونك عن الروح؟ قل: الروح من أمر ربي، وما أُوتيتم من العلم، إِلاّ قليلاً (٨٥)، فهذه شهادة ناطقة على أن ﴿العلم المنزل في القرآن أقل مما في الكتاب الإمام الذي مع ﴿أولي العلم. وتلك الحدود والقيود للتحدي بإِعجاز القرآن تفسر أيضاً معنى ﴿الإسراء في الآية الوحيدة التي تستفتح السورة: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى (١). فليس المذكور معجزة على الإطلاق، لأن السورة عينها تعلن أن المعجزة منعت عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً (٥٩). والتكرار في أخبار القرآن وأوصافه متواتر مشهود، فلو كان في آية الإسراء اليتيمة أدنى معنى للإِعجاز لتوارد في القرآن. والآية نفسها تنص على أنه تم ﴿ليلاً فلم يكن مشهوداً، فليس فيه معنى التحدّي ليصح معجزة. إنه أيضاً ﴿رؤيا ليل، قصها محمد ﴿للفتنة بنص القرآن القاطع (٦٠) فليس فيه معنى الإِعجاز. والقرآن نفسه يقطع الطريق على كل من يرى فيه إِعجازاً أو معجزة، بنقله تحدي المشركين له بإسراء كالذي تضعه الآية، ﴿أو ترقى في السماء! ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه! ـ  قل: سبحان ربي هل كنت الا بشراً رسولاً (٩٣)، لذلك فهو لم يرق في السماء، ولم ينزل عليهم كتاباً من السماء، والقرآن يصرح بعجز النبي عن مثل ذلك.

والسورة الحادية والخمسون (يونس) تصرّح بأن القرآن ﴿تفصيل الكتاب الذي قبله. يتحدونه بمعجزة، ﴿ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه! ـ  فقل: إنما الغيب لله! فانتظروا أني معكم من المنتظرين (٢٠). لم تأتِ المعجزة بعد. لذلك فالتحدّي بالقرآن من قبل ومن بعد ليس فيه معنى المعجزة على الإطلاق. وبدون معجزة ينسبون اليه إفتراء القرآن، فيجيب: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، لا ريب فيه، من رب العالمين (٣٧). يرد تهمة الإفتراء بأن القرآن ﴿تفصيل الكتاب و﴿تصديق له، ﴿بأمر من رب العالمين (الدخان ١ - ٥). وهو اذا ما سمى ﴿التفصيل القرآني ﴿تنزيلاً، فلأنه تفصيل التنزيل الكتابي: ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، فلا تكوننَّ من الممترين (الأنعام ١١٤). فأهل الكتاب لا يستطيعون أن يعلموا وأن يشهدوا لتنزيل وتفصيل من السماء، بل لتفصيل التنزيل الموجود معهم ويتم على الأرض بأمر الله. وبعد رد الإفتراء ببيان حقيقة القرآن أنه ﴿تفصيل الكتاب، يتحداهم ﴿بسورة مثله: ﴿أم يقولون: افتراه! ـ قل: فاتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله، إن كنتم صـادقين (٣٨). إن التحدّي للمشركين، فهو نسبي محدود، وبمـا أنه ﴿تفصيل الكتاب فالتحدّي بالهدى، لا بإِعجاز الخطاب والبيان، وهُداه من هدى الكتاب الذي يفصله، فليس فيه معنى المعجزة، وهو ينتظرها معهم (٢٠). لذلك ظلوا يكذبونه حتى شك من نفسه ومن أمره، فيحيله وحيه الى أساتذته من أهل الكتاب: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلناه إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك! لقد جاءَك الحق من ربك، فلا تكوننَّ من الممترين! ولا تكوننَّ من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (٩٤ ـ ٩٥). تلك الصورة النفسية والإيمانية، بعد التحدّي بإِعجاز القرآن ﴿بسورة مثله، دليل على أن محمداً نفسه لم يعتبر إِعجاز القرآن الذي يتحدى به معجزة له، فالشك مع الإيمان والمعجزة لا يجتمعان في نفس نبي! فردْع محمد عن الشك ثم عن الشرك كما في قوله: ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأن أقم وجهك للدين حنيفاً، ولا تكوننَّ من المشركين (١٠٤ ـ ١٠٥) هما برهان قاطع على أن الله لم يجعل القرآن دليلاً على النبوّة.

وفي (هود)، الثانية والخمسين، تتطور الأزمة الإيمانية في نفس محمد الى تركه بعض الوحي: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك، وضائق به صدرك، أن يقولوا: لولا أُنزل عليه كنز! أو جاءَ معه ملك! - إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل (١٢). فمحمد نذير ﴿بتفصيل الكتاب للعرب، وليس بنبي مطّلع على الغيب، أو رسول بمعجزة. إنما هو نبي ورسول، بنبوّة الكتاب ورسـالته. فاذا ردَّ على اتهام المشركين له بالإفتراء: ﴿أم يقولون: افتراه! قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله، إن كنتم صادقين! فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أَنما أُنزِل بعلم الله، وأن لا إله الا هو، فهل أنتم مسلمون (١٣ ـ ١٤) ـ فهو إنما يتحداهم بمطابقة القرآن للكتاب: ﴿أفمن كان على بيّنة من ربه ـ ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى إِماماً ورحمةً ـ أولئك يؤمنون به. ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده (١٧). وهذه المطابقة يشهد بها أهل الكتاب: ﴿ويتلوه شاهد منه، كقوله: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (الأحقاف ١٠)، ﴿ومن قبله كتاب موسى إِماماً ورحمةً: براهين ثلاثة تدل على صحة المطابقة بين القرآن والكتاب، فليس من إفتراء في دعوة محمد. ولكن ليس من معجزة فيها، ولا من إِعجاز يُعتبر معجزة، لأن الإِعجاز الأول للكتاب الإمام: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماماً. ولو كان القرآن دليل النبوّة، لما شك النبي في أمره: ﴿فلا تك في مرية منه: إنه الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (١٧). فاذا كان إِعجاز القرآن لم يرفع الشك نفس محمد، فكيف يكون هذا الإِعجاز معجزة للثقلين؟ فمحمد بحاجة إلى التثبيت في الإيمان قبل المؤمنين بدعوته: ﴿وكلاّ نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق، وموعظة وذكرى للمؤمنين (١٢٠). هذه الصورة النفسية والإيمانية الثانية برهان قاطع على إن محمداً لم يعتبر إِعجاز القرآن معجزة، وأن الله لم يجعل القرآن دليل النبوّة. ومن انتساب محمد إلى  ﴿أولي العلم من أهـل الكتاب، ومن انتساب القرآن إلى ﴿إمامة الكتاب له، نفهم أن التحدّي بإِعجاز القرآن كان محصوراً بالمشركين العرب، لا مطلقاً يعمّ العالمين، ولا موجهاً للكتابيّين أهل العلم والهدى الذين عندهم الكتاب ﴿إمام القرآن.

وفي سورة (الحجر)، الرابعة والخمسين، يستفتح بقوله: ﴿آلر. تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (١). بهذا الوصف يحدد صلة القرآن العربي بالكتاب: يتلو آيات الكتاب، كما يشير بقوله: ﴿تلك، ثم يعقب عليها بقرآن مبين لها. فيقول: ﴿ربما يود الذين كفروا لـو كانوا مسلمين! (٢). فيردّون عليه: ﴿يا أيها الذي نُزل عليه الذكر، انك لمجنون! لو ما تأتينا بالملائكة، إن كنت من الصادقين (٦ ـ ٧). فيجيب ببساطة: ﴿لا يؤمنون به، وقد خلت سُنّة الأولين (١٣). أجل لقد مضت وانقضت سُنّة اللهِ بتأييد أنبيائه بالمعجزات، فلا معجزة عند محمد. وهذا ما يضايقه في دعوته: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (٩٧).

وفي هذه السورة النص القاطع على أن ﴿القرآن الذي يدعو إليه الكتاب الامام: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم... كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين (٨٧ و٩٠ ـ ٩١). فالمقتسمون هم ﴿اليهود والنصارى، (الذين جعلوا القرآن) أي كتبهم المنزلة عليهم، (عضين) أجزاء، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض (الجلالان). فالقرآن العظيم الذي يدعو اليه محمد بالقرآن العربي هو الكتاب المقدس وذلك بشهادته هذه القاطعة. وبما أن ﴿القرآن العظيم هو الكتاب المقدس فإن ﴿المثاني المقرونة به هي ﴿المشنَة في التلمود، نقل التعبير بحرفه العبري وعرَّبه. والمشنة هي ﴿فرقان الكتاب أي تفصيله وتفسيره. إن تعبير ﴿القرآن والمثاني يعني الكتاب والسنّة. فالقرآن العربي هو تفصيل ﴿القرآن العظيم أي الكتاب المقدس مع سبع قصص من ﴿المشنة وهذا مصدر قصصه التوراتي.

نصل إلى (الأنعام) السورة الخامسة والخمسين، التي يبلغ فيها الجدل في صحة النبوّة والدعوة ذروته. وهي متبعّضة أي فيها آي مكي وآي مدني، ومن أزمنة مختلفة. يحاورهم في إعراضهم عن الدعوة القرآنية بسبب عجز محمد عن معجزة. يستفتح بذكر إعراضهم الذي يحرجه: ﴿وما تأتيهم من آية (قرآنية) من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (٤) لانهم يطلبون منه معجزة حسية كنزول ملاك يشهد له (٨). أما هو فيكتفي بشهادة الله بوحي القرآن له: ﴿قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل: الله شهيد بيني وبينكم وأوحى الى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ (١٩)، ويقرن إليها شهادة ﴿أولي العلم من أهل الكتاب، ﴿الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم (٢٠). هذه المعرفة الابوية المصدرية شهادة على المصدر، وشهادة على مطابقة القرآن لأصله الكتابي. فآية محمد الوحيدة هي شهادة: ﴿مَن عنده علم الكتاب. وسيظل هذا موقفه حتى آخر العهد بمكّة: ﴿ويقول الذين كفروا: لست مرسلاً! ـ قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (الرعد ٤٣). أما المعجزة فهي ممنوعة على محمد. ويتدخل الوحي نفسه في تعجيزه عن كل معجزة: (وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض، أو سلماً في السماء، فتأتيهم بآية ـ أكمل الجلالان الجواب: ﴿فافعل، المعنى أنك لا تستطيع ذلك (٣٥). بعد المنع المبدئي لكل معجزة (الإسراء ٥٩)، يصرّح هنا بالأمر الواقع، وهو العجز المطلق (٣٥). وبعد تعجيز الوحي له عن كل معجزة يأتي إقرار النبي لحقيقة هذا الامر الواقع: ﴿ما عندي ما تستعجلون به! (٥٧). ويكرر: ﴿قل: لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم (٥٨). هذا هو القول الفصل في عجز محمد عن كل معجزة.

مع العجز عن كل معجزة حسية، يأتي التصريح بالعجز عن كل نبوءة غيبية: ﴿قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله! ولا أعلم الغيب! ولا أقول لكم أني مَلَك: إن اتبع إلاّ ما يوحى إليّ (٥٠). الإقرار صريح: محمد لا يعلم الغيب فليس في القرآن إذن من غيبيات أو نبوءات للحاضر أو المستقبل.

فدعوة القرآن بلا معجزة حسية، ولا نبوءة غيبية. هذا هو نص القرآن القاطع. إنما دعوة القرآن امتداد لدعوة الكتاب، على طريقة ﴿أولي العلم من أهله. وعلى النبي العربي أن يقتدي بهداهم. فهو يعدد أنبياء الكتاب ومتابعيهم، ﴿ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم، واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده (٨٧ ـ ٨٨). ثم يقول: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم (الحكمة) والنبوّة ـ فإن يكفر بها هؤلاء، فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها كافرين ـ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدِ (٨٩ ـ ٩٠). شهادة أخرى ناطقة: الإِعجاز هو التحدّي بالهدى. إن القرآن ونبيه يقتديان بهدى الكتاب وأهله، فهما تابع، لا متبوع، وهذا التصريح يؤيد قول القائلين: إن الله لم يجعل القرآن دليل النبوّة.

ومن هم الذين على محمد أن يقتدي بهداهم ليكون على صراط مستقيم؟ هم ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحُكم والنبوّة (٨٩). ﴿الحُكم يعني ﴿الحكمة (الجلالان)، فقد أخذ التعبير العبري على حرفه. فهو يقتدي بهم حتى في تعبيره. ثم إن ﴿الحكمة في اصطلاح القرآن كناية عن الإنجيل كقوله: ﴿ولما جاء عيسى بالبيّنات قال: قد جئتكم بالحكمة (الزخرف ٦٣) أي ﴿شرائع الإنجيل (الجلالان)، ﴿وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور (المائدة ٤٦)، وكما يظهر من هذا الترادف المتواتر: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة ـ والتوراة والإنجيل (آل عمران ٤٨)، ﴿واذ علمتك الكتاب والحكمة ـ والتوراة والإنجيل (المائدة ١١٠). فمحمد يقتدي بأهل الكتاب والإنجيل، ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة (البقرة ١٢٩، آل عمران ١٦٤، الجمعة ٢)، على طريقة الذين يقيمون ﴿التوراة والإنجيل معاً (المائدة ٦٦ و٦٨) وهم النصارى من بني إسرائيل، الذين يسميهم في اصطلاحه المتواتر ﴿أولي العلم المقسطين، أو ﴿الراسخين في العلم. فالقرآن دعوة ﴿نصرانية.

وهذه الدعوة هداه إليها ملاك الله في رؤيا غار حرّاء، وأمره بقراءَة ﴿الكتاب والحكمة على العرب. فدَرس ودرَّس، واهتدى وهدى. ويعلم أهل مكّة ذلك، والقرآن يصرح به: ﴿وليقولوا: درستَ! ـ ولنبيَّنه لقوم يعلمون (١٠٥). فلا يردّ التهمة، بل يؤكدها ببيان غايتها. إنه درسّ ليدرّس، ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة، لأنهم هم غفلوا عن دراستهما: ﴿أن تقولوا: إنما أُنزِل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وإنْ كنا عن دراستهم لغافلين (١٥٦). وهذان الاقرار والتقرير بالدرس يهدمان أسطورة أمية محمد، وما بني عليها من إِعجاز ومعجزة.

وما القرآن العربي سوى ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧)، وتصديقه: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك، مصدّق الذي بين يديه (قبله)، ولتنذر أُمَّ القرى ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به (الأنعام ٩٢). فهو يعود دائماً إلى تأييد ﴿النصارى له وشهادتهم معه، كلما طلبوا منه معجزة وعجز عنها: ﴿أقسموا بالله جهد إيمانهم: لئن جاءَتهم آية ليُومِنُنَّ بها! ـ قلْ: إنما الآيات عند الله! (١٠٩). وعلى انتظارهم الملح لمعجزة يجيب بفلسفة الإيمان بدون معجزة: ﴿هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك! ـ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها! لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً! مع ذلك فهو ينتظر: ﴿قل: انتظروا، إنا منتظرون (١٥٨). إنك تشعر بحرج النبي من عجزه عن معجزة تؤيده، ويتردد في قبول هذا القدر المحتوم (الإسراء ٥٩، الأنعام ٣٥).

فلا المعجـزة تؤيده، ولا الإِعجاز القرآني ينفعه، فقد تجرأ أحدهم على القول: ﴿سأنزل مثل ما أنزل الله (٩٣). إنه قول ظالم يستحق عذاب الموت والنار، لكن جرّأهم عليه عجزه عن معجزة حتى شك من أمره: ﴿أفغير الله ابتغي حكماً، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكوننَّ من الممترين! وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلماته (١١٤ ـ ١١٥). فالشهادة على صحة الدعوة القرآنية هي مطابقتها للكتاب، ﴿لا مبدل لكلماته، وذلك بشهادة أهل الكتاب أنفسهم. وحقيقة القرآن العربي هي في هذا التعريف: ﴿هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً... لا مبدل لكلماته. فليس هو ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧) الذي في السماء، إذ لا يستطيع أحد أن يشهد بذلك، بل ﴿تفصيل الكتاب الذي عند أهل الكتاب، كما يستطيعون أن يشهدوا بذلك: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (الأحقاف ١٠)؛ وشهادتهم هي آية محمد الوحيدة (الأنعام ٢٠، الرعد ٤٣).

ويسمي القرآن العربي منزَلاً لأنه ﴿تفصيل الكتاب المنزل من قبله، فهو تنزيل لأنه تفصيل التنزيل الكتابي: ﴿وتمّت كلمات ربك صدقاً وعـدلاً، لا مبدل لكلماته، إنه ﴿الكتاب مفصلاً أي معرباً (قابل حَمَ فصلت ٤٤). فليس في القرآن من وحي جديد، ولا من معجزة. إنما هو ﴿تفصيل الكتاب كما يشهد له أهل الكتاب. هذا هو الواقع القرآني في سورة (الأنعام) الطويلة.

في (الصافات)، السادسة والخمسين، يتحداهم في جدالهم: ﴿أم لكم سلطان مبين، فأتوا بكتابكم، إن كنتم صادقين (١٥٦ ـ ١٥٧). وفي (لقمان)، السابعة والخمسين، نعرف أن السلطان المبين الذي به يستعلي عليهم هو الكتاب المقدس المنير: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (٢٠). أما محمد، فهو يجادلهم بالعلم والهدى بحسب الكتاب المنير. فآيته في دعوته هي انتسابه الدائم الى الكتاب وأهله من ﴿أولي العلم أي ﴿النصارى. يؤيد ذلك قوله في (سبأ)، الثامنة والخمسين: ﴿ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدى الى صراط العزيز الحميد (٦). ردّوا عليه: ﴿وقال الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه أي قبله (٣١). فيستعلي عليهم بالكتب المنزلة التي يدرسها من دونهم: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها! وما أرسلنا اليهم قبلك من نذير (٤٤). وفي (الزمر)، التاسعة والخمسين، يستعلي عليهم أيضاً بانتسابه الى ﴿أولي العلم: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون! (٩) - يجب أن يفهم التعبير على اصطلاحه لا على لغته كما يتوهمون. تلك هي شهادته الدائمة على صحة دعوته. وفي (حم غافر) السورة الستين، يكرر ذلك: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (٥٣). بنو إسرائيل طائفتان: يهود ونصارى، والدعوة القرآنية تأييد للنصارى من بني إسرائيل على عدوهم اليهود (الصف ١٤). فبانتماء محمد إلى ﴿أولي العلم هؤلاء، يجادل المشركين بسلطان، وهم يجادلون بغير سلطان (٥٦). يصرّون على المعجزة فيتهرب: ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله (٧٨). والله لم يأذن لمحمد بمعجزة (الإسراء ٥٩)، ﴿وقد خلت سُنّة الأولين بالمعجزات (الحجر ١٣).

في (حمَ فصلت)، الحادية والستين، يستعلي عليهم بانتسابه إلى الكتاب، في تعريفه بحقيقة القرآن العربي: ﴿كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً (٣)، فالقرآن العربي إنما هو ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧). وفي قوله: ﴿ولو جعلناه قرآناً أعجمياً، لقالوا: لولا فصلت آياته (٤٤) نرى أن التفصيل، في لغة القرآن، يعني التعريب. وهكذا فإن ﴿تفصيل الكتاب في القرآن يعني ﴿تعريب الكتاب. لكنهم لا يقبلون بهذه الشهادة ويصرّون على طلب معجزة، فيقول: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه (٦) ـ لكن كل الرسل من قبله كانوا بشراً مثله وأيّد الله رسالتهم بالمعجزة.

وفي سورة (الشورى)، الثانية والستين، نرى معنى نبوّة محمد وموضوع القرآن. فهذه هي نظرية القرآن في النبوّة والوحي ومراتبهما: ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحياً، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتُهْدى ٧ إلى صراط مستقيم، صراط الله (٥١ ـ ٥٣). فطرق الوحي ثلاث: الوحي المباشر، ثم الوحي من وراء حجاب بالتكليم، ثم الوحي بواسطة ملاك رسول، وهذه الثالثة أدنى طرق الوحي. وهي التي كانت من نصيب محمد في غار حرّاء: أرسل الله اليه ﴿روحاً من أمرنا أي روحاً مخلوقاً، من عالم الامر، لا ﴿روحاً منه تعالى كما في المسيح (النساء ١٧١). وهذا الملاك هدى محمداً إلى الإيمان بالكتاب لان الله جعل الكتاب نوراً يهدي من يشاء من عباده الى الصراط المستقيم، في الإيمان بالكتاب. فنبوءة محمد كانت هداية الى الإيمان بالكتاب المقدس. فآمن واهتدى وأخذ يهدي العرب الى التوحيد الكتابي: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ـ والذي أوحينا إليك ـ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم اليه. الله يجتبي اليه من يشاء، ويهدي اليه من يُنيب. وما تفرّقوا الا من بعد ما جاءَهم العلم بغياً بينهم، ولولا كلمة سبقت من ربك الى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادعُ واستقم كما أمرتَ ولا تتبع اهواءَهم. وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم (١٣ ـ ١٥). فالدين الذي شرعه الله هو دين إبراهيم وموسى وعيسى معاً بلا تفريق. فدين القرآن هو دين الكتاب. لذلك يقول: ﴿آمنت بما أنزل الله من كتاب فنبوءة محمد هي الإيمان بالكتاب المقدس، كما أوحى اليه الملاك في غار حرّاء، ورسالته هي الدعوة الى دين موسى وعيسى معاً، وإقامة التوراة والإنجيل معاً. وهذا ما كان يفعله النصارى من بني إسرائيل، من دون اليهود الذين اختلفوا ﴿لمّا جاءَهم العلم بالإنجيل، لذلك ﴿فإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم (يهود الحجاز في زمن محمد) لفي شك منه (محمد) مريب؛ ومن دون المسيحيين من الأميّين الذين يقيمون الإنجيل من دون أحكام التوراة. فالنصارى من بني إسرائيل ﴿أمة وسط بين اليهودية والمسيحية، ومحمد على طريقة النصارى من بني إسرائيل يدعو إلى إقامة دين موسى وعيسى معاً بلا تفرقة ﴿لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون. فالقرآن يشرع للعرب دين موسى وعيسى معاً (١٣) فهو دعوة ﴿نصرانية. بذلك يعدل بين اليهودية والمسيحية في صراعهما على الجزيرة العربية. وبإيمانه ﴿بالكتاب والحُكْم (الحكمة) والنبوّة على طريقة ﴿النصرانية يستعلي على المشركين من بني قومه: ﴿أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون (الزخرف ٢١).

وفي (الجاثية)، الخامسة والستين، نجد الصورة نفسها: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم (الحكمة) والنبوّة، ورزقناهم من الطّيبات، وفضلناهم على العالمين. وآتيناهم بيّنات الأمر، فما اختلفوا إلاَّ من بعد ما جاءَهم العلم بغياً بينهم، إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (١٦ ـ ١٨). يقسم القرآن أهل مكّة والحجاز إلى ﴿الذين لا يعلمون وهم المشركون، وإلى ﴿الذين يعلمون أو ﴿أولي العلم أي أهل الكتاب، ثم يقسم ﴿أولي العلم إلى ﴿ظالمين وهم اليهود (العنكبوت ٤٦) وإلى صالحين أو مقسطين (آل عمران ١٨) أو ﴿الراسخين في العلم (آل عمران ٧) وهم النصارى. ﴿فالعلم المذكور في القرآن هو اصطلاح يعني حكمة الإنجيل: فقد اختلف بنو إسرائيل الى طائفتين، نصارى ويهود (الصف ١٤) ﴿من بعد ما جاءَهم العلم، بغياً بينهم. والله جعل محمداً ﴿على شريعة من الأمر، أمر الدين، باتباع ﴿أولي العلم قائماً بالقسـط، ﴿الراسخين في العلم، الذين يقيمون التوراة والإنجيل معاً، ويدعون إلى دين موسى وعيسى معاً، هذا هو سبيل محمد، وهذا هو الدين الذي شرّعه الله: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون أنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الظالمين (المشركين واليهود) بعضهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين من العرب، مع النصارى من بني إسرائيل (١٨ ـ ١٩). فبالكتاب وبشهادة أولي العلم المقسطين، يتحدى المشركين، لا بمعجزة ولا إِعجاز.

في (الأحقاف)، السادسة والستين، يرجع الى الاستشهاد بالكتاب وأولي العلم على صحة رسالته وصحة دعوته. يستفتح، كما في سورة هذه الفترة، بإعلان التنزيل في الكتاب: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (٢). فيتمسكون بشركهم، فيتحـداهم: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من علم، إن كنتم صادقين (٤). إنه يتحداهم بالكتاب المنزل وبعلم أولي العلم النصارى: ﴿قلْ: أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ـ وشهد شاهد من بني اسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ـ إن الله لا يهدي القوم الظالمين... ومن قبله كتاب موسى إِماماً ورحمةً، وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً، لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (١٠ ـ ١٢). إن القرآن العربي هو من عند الله لثلاثة أسباب: أولاً ﴿شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله: فمثل القرآن موجود عند النصارى من بني إسرائيل، لذلك فالتحدّي ﴿بمثل القرآن لا يقوم ولا يصح، ﴿فمثله موجود في عصر النبي. ثانياً ﴿من قبله كتاب موسى إماماً فهو يتبع إمامه في الهدى والبيان. ثالثاً: ﴿هذا كتاب مصدق، لساناً عربياً فلا فرق بين الكتاب والقرآن سوى اللسان العربي. فرسالة محمد، بأمر ملاك الله في غار حرّاء، تقوم على نقل ﴿الكتاب والحكمة، والتوراة والإنجيل الى العرب، ﴿لساناً عربياً، يشرع لهم دين موسى وعيسى بلا تفرقة، على طريقة ﴿أولي العلم، النصارى من بني إسرائيل، وزعيمهم قسّ مكّة، ورقة بن نوفل.

وهكذا انتهى العهد الثاني بمكّة بلا معجزة، ولا إِعجاز، فقد ﴿شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. وهاجر محمد إلى الطائف شريداً طريداً. فردّه أهلها من عرب ويهود، رداً غير جميل. فرجع الى مكّة مستجيراً بأحد زعمائها. ورجع الى دعوته.

في سورة (الكهف)، التاسعة والستين، ظلوا يطالبونه، لصحة دعوته، بمعجزة، لأنها ﴿سُنّة الأولين. يستفتح بتحذير النبي من اليأس: ﴿فلعلك باخعٌ (مهلك) نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث، أسفاً (٦)، ويحرضه على متابعة رسالته بالتضامن مع الكتاب وأهله من أولي العلم المقسطين: ﴿واتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا مبدل لكلماته (٢٧)، فالقرآن وحي من الكتاب المقدس، لا مبدل لكلماته في تفصيله وتعريبه، ﴿واصبرْ نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (٢٨) فمحمد أمة واحدة مع ﴿النصارى. ثم يستعرض فشل الدعوة بسبب عجزه عن معجزة، سُنّة اللهِ في النبوّة: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا، إذ جاءَهم الهدى، ويستغفروا ربهم، إلا أن تأتيهم سُنّة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبُلاً (٥٥). فالمعجزة حتى عند المشركين، هي دليل الله الأوحد على النبوّة لأنها سُنّة الأنبياء كلهم قبل محمد، وعجْز محمد الدائم عن معجزة هو سبب امتناعهم عن الإيمان به وبدعوته. مع ذلك فهو يعلن إفلاسه عن معجزة تؤيده: ﴿قلْ: إنما أنا بشر مثلكم يُوحي إلي إنما إلهكم إله واحد (١١٠). فالقرآن دعوة كتابية ﴿نصرانية، لكنها بدون معجزة. هذا ما يظهر أيضاً من السورة التالية.

في (النحل)، السورة السبعين، يجهر من جديد بانتمائه الى الكتاب وأهله من ﴿أولي العلم المسلمين. في جدال المشركين يعلن: ﴿فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزبر (٤٣ ـ ٤٤). يستشهد بهم لأن القرآن العربي بيان التنزيل الكتابي: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم، ولعلهم يتفكرون (٤٤). فمحمد لا يأتي بوحي جديد، بل هو ينقل للعرب ﴿ما نُزل إليهم من قبل في الكتاب، دين موسى وعيسى معاً بلا تفرقة الذي شرعه للناس (الشورى ١٣). وغاية ثانية من الدعوة القرآنية بيان ما اختلف فيه أهل الكتاب: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه (٦٤)، وهذا البيان يأتي على طريقة ﴿المسلمين من أهل الكتاب: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (٨٩). وهؤلاء المسلمون هم غير جماعة محمد، المتقين من العرب: ﴿قل: نزَّلَه روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى وبشرى للمسلمين (١٠٢). فالتمييز صريح بين الكنايتين: ﴿الذين آمنوا وهي الكناية المتواترة لجماعة محمد، ﴿والمسلمين وهي الكناية المتواترة للنصارى من بني إسرائيل الذين يدعو القرآن بدعوتهم. وهكذا ﴿فالمسلمون الأصليون، في لغة القرآن، ليسوا جماعة محمد. والقرآن العربي هو ﴿هدى وبشرى للمسلمين ـ اصطلاح قرآني آخر: ﴿الهدى كناية عن التوراة، و﴿البشرى كناية حرفية عن الإنجيل، فالقرآن العربي هو تثبيت ﴿للذين آمنوا من العرب، وبمثابة توراة وإنجيل ﴿للمسلمين من أهل الكتاب. مع ذلك يحول دون إيمان المشركين بالدعوة القرآنية سببان، غير العجز عن معجزة: الأول اشتباههم بأنه يتعلم من بشر: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر! ـ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣). محمد، التاجر الدولي، في أكبر تجارة مكية، مدة عشرين عاماً، ما بين اليمن والشام، كان يعرف لغة اليمن ولغة الشام، الحميرية والأرامية، ولا يقيم بين ظهراني العرب بمكّة من لا يعرف لغتهم. وقولهم: ﴿انما يعلمه بشر مثل قولهم: ﴿وليقولوا: درست، فليس الخلاف على التعلم والدرس، انما الخلاف على اللسان العربي المبين الذي هو ميزة محمد والقرآن. والثاني اطلاعهم على سر آخر، التبديل في آي القرآن: ﴿واذا بدلنا آية مكان آية ـ والله أعلم بما ينزّل ـ قالوا: إِنما أنت مفتر! بل أكثرهم لا يعلمون (١٠١). وهذان الأمران سبّبا ردة عن الإسلام في آخر العهد بمكّة.

وفي (إبراهيم)، السورة الثانية والسبعين، ينقل حوار الرسل وأقوامهم على ضرورة المعجزة، السلطان المبين من الله على صحة نبوءتهم: ﴿قالوا: إن أنتم إلاّ بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا: فأتونا بسلطان مبين! قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم، ولكن الله يمنّ على من يشـاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان، الاَّ بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٠ ـ ١١). هذه حال محمد مع مشركي مكّة، فإن الله لم يأذن لعبده محمد بسلطان المعجزة المبين.

لذلك في سورة الأنبياء، الثالثة والسبعين يتهمونه بشتى التهم لأنه لم يأتهم بمعجزة كالأنبياء الأولين: ﴿بل قالوا: أضغاث أحلام! بل افتراه! بل هو شاعر! فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (٥). فلا معجزة في القرآن؛ يكفيه أنه ينقل للعرب ﴿الذكر الذي في ﴿الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون (١٠). وهذا الذكر القرآني من الذكر الكتابي: ﴿هذا ذكر مَن معي وذكر مَن قبلي (٢٤). فالكتاب هو القرآن والذكر والفرقان للمتقين من العرب: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان، وضياءً وذكراً للمتقين (٤٨). لذلك فأهل الكتاب وأهل القرآن الذين يؤمنون ﴿بالتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (٩١) هم ﴿أمة واحدة (٩٢). هذا هو الإعلان الاول عن وحدة الأمة بين جماعة محمد و﴿النصارى، ووحدة الأسماء بين الكتابين، كالذكر والقرآن والفرقان، تعني وحدة الدعوة. ووحدة الدعوة تعبيراً وتفكيراً ووحدة الأمة برهان قاطع على أن الدعوة القرآنية دعوة ﴿نصرانية.

وفي سورة (المؤمنون) الرابعة والسبعين، يعود إلى إعلان وحدة الأمة بين جماعة محمد والنصارى من بني إسرائيل الذين يؤمنون معاً بأن ﴿ابن مريم وأمه آية (٥٠): ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون (٥٢). إنهم أمة واحدة ما بين الذين ﴿تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون (٥٣). وسنعرف أن هذه ﴿الأمة الواحدة هي ﴿أمة وسط بين اليهودية والمسيحية، لأنها تقيم التوراة والإنجيل معاً، ولأنها تدعو لدين موسى وعيسى ديناً واحداً بلا تفرقة. فأنكروا رسولهم لأنه لم يأتهم بمعجزة تؤيد صحة رسالته ودعوته (٦٩)، حتى كاد يشك في أمره.

ففي (السجدة)، الخامسة والسبعين، يردع القرآن محمداً عن الشك في أمره، وفي ﴿تفصيل الكتاب في القرآن العربي: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب: فلا تكن في مرية من لقائه! وجعلناه هدى لبني إسرائيل، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا (٢٣ ـ ٢٤). على محمد ألاّ يشك في لقاء الكتاب بواسطة ائمته الذين بأمر الله يهدونه إليه. ونعلم من المتواتر في القرآن أن هؤلاء الائمة أساتذة النبي العربي هم ﴿أولو العلم قائماً بالقسط، ﴿الراسخون في العلم النصارى من بني إسرائيل. وهذا التصريح الضخم برهان قاطع على تدريسهم الكتاب لمحمد وتفصيلهم له على طريقتهم ﴿النصرانية ولو لم يتله في الأصل بنفسه ولم يخطه بيمينه (العنكبوت ٤٨). فيتشدد محمد بهداية أئمته له.

وفي (الطور)، السادسة والسبعين، يطمئن، ويتحدى المشركين بالقرآن الذي يتهمونه بافترائه: ﴿أم يقولون: تقوّله! بل لا يؤمنون! ـ فليأتوا بحديث مثله، إن كانوا صادقين (٣٣ ـ ٣٤). هذا التحدّي موجه للمشركين، فقد ﴿شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (الأحقاف ١٠). فليس التحدّي بإِعجاز القرآن مطلقاً. وقد أخذ بالتراخي مع المشركين أنفسهم، من ﴿سورة مثله (يونس ٣٧)، الى ﴿عشر سور مثله (هود ١٣)، الى ﴿حديث مثله (الطور ٣٤). فليس إِعجاز القرآن معجزة لأن عند النصارى من بني إسرائيل ﴿مثله (الأحقاف ١٠).

في سورة (الروم)، الرابعة والثمانين، يظهر القرآن أولاً تضامنه مع المسيحية نفسها، كما ظهر تضامنه معها في الهجرة الى الحبشة: ﴿آلم. غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو الرحيم العزيز (١ ـ ٥). سورة (الروم) من آخر العهد بمكّة أي من العام ٦٢٢ م. وقد غزا الفرس سوريا سنة ٦١٢، وفلسطين ٦١٤ ومصر ٦١٨. وبدأ هرقل غزو الفرس بنصر ساحق عام ٦٢٢ دام حتى ٦٢٩ م. فالروم من بعد غلبهم سيغلِبُون في تاريخ نزول سورة (الروم) عام ٦٢٢ م، ويتم النصر ﴿في بضع سنين عام ٦٢٩ م كما يتضح من انتصارات الغزو لبلاد الفرس. فالآية القرآنية تاريخ لا نبوءة لأن محمداً، بنص القرآن القاطع، ﴿لا يعلم الغيب (الأنعام ٥٠). والنبوءة الغيبية نوع من المعجزة، ولا معجزة في القرآن، بتصاريحه المتواترة (الإسراء ٥٩، الأنعام ٣٥).

تضامن في المصير مع المسيحية، ووحدة مع ﴿النصرانية. ففي سورة (الروم) أيضاً يعطينا صفة الدين الذي يدعو له: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٠)؛ ﴿فأقم وجهك للدين القيم، من قبل أن يأتي يوم لا مردَّ له من الله، يومئذٍ يصّدّعون (٤٣). يُؤمر محمد بالحنيفية، ويصفها بأنها ﴿الدين القيّم، وهذا التعبير ترجمة ﴿الارثذكسية في المسيحية. ونعرف أن ﴿الحنيفية لقب أطلقه مسيحو سورية على النصارى من بني إسرائيل، فجعله هؤلاء عنوان ﴿الدين القيّم الذي يدعيه المسيحيون لأنفسهم في دولة الروم. فمحمد يدعو بدعوة النصارى الى ﴿الحنيفية، ويصفها معهم بأنها ﴿الدين القيّم وكما نازعت النصرانية المسيحية في صفة ﴿الدين القيّم نازعتها في صفة الانتساب الى إبراهيم، كما فعل بولس مع اليهود. فالحنيفية النصرانية تدعي أنها الدين القيّم وأنها ملّة إبراهيم. وبهذا النسب عينه، الحنيفية، الدين القيّم، ملّة إبراهيم، يتضح أن القرآن دعوة ﴿نصرانية، في وحدة الأمة.

في (العنكبوت)، الخامسة والثمانين، والأخيرة في مكّة، يتم كشف الغطاء عن هوية الإسلام الذي يدعو اليه القرآن. التصريح الأول: ﴿ووهبنا له اسحاق ويعقوب، وجعلنا في ذريته النبوّة والكتاب (٢٧). نلاحظ التعريف والإطلاق: إن النبوّة والكتاب هما في ذرية إبراهيم، من اسحاق ويعقوب، لا من اسماعيل. التصريح الثاني: القرآن العربي وحي من هذا الكتاب: ﴿اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب (٤٥). التصريح الثالث: يعلن الوحدة التامة الكاملة مع النصارى المحسنين، المقسطين، ﴿أولي العلم والإيمان: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن ـ إلاّ الذين ظلموا منهم ـ وقولوا: آمنا بالذي أنزل الينا وأُنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون (٤٦). قال: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (النمل ٧٦). وقد اختلفوا الى يهود ونصارى (الصف ١٤). وفي عرفه المتواتر، اليهود هم الظالمون الذين يصح جدالهم بغير الحسنى، أما النصارى فلا يصح جدالهم الا بالحسنى، وهذه الحسنى هي الأمر لأمّته بالشهادة معهم ان التنزيل واحد، والاله واحد، والإسلام واحد. فالقرآن دعوة ﴿نصرانية. التصريح الرابع: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب: فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء مَن يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون. وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطّه بيمينك، إذاً لارتاب المبطلون. بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلاّ الظالمون (٤٧ ـ ٤٩). صورة كاملة عن موقف أهل مكّة من الدعوة القرآنية في آخر العهد المكي: ١) ﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، تعبير عام يُقصد به الخاص، يعني ﴿الذين أُتوا العلم أي النصارى، فهم يؤمنون بالدعوة القرآنية، والقرآن ﴿آيات بيّنات في صدورهم، فالدعوة دعوتهم. ٢) ﴿ومن هؤلاء أي ﴿أهل مكّة بعضهم يؤمن بالدعوة. ٣) ﴿وما يجحد بآياتنا إلاّ الكافرون من سائر أهل مكّة. ٤) و﴿المبطلون (٤٨) و﴿الظالمون (٤٩) هم اليهود الذين يرتابون بصحة النبوّة ويجحدون صحة الدعوة القرآنية، وذلك لأنها ﴿آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم أي النصارى. لكن تبطيلهم لا يستند الى حق: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك (٤٨). قبل القرآن لم يكن يفعل ذلك، لكن في رؤيا غار حرّاء جاءه الأمر بالقراءَة والتعلم بالقلم (العلق ١ - ٤)، فأخذ يدرس ويكتب مع ﴿المسلمين من قبله، ﴿أولي العلم والإيمان (القلم ٣٧ و٤٧). فلا تعني الآية (٤٨) أمية محمد في شيء. وقوله: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب... بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم (٤٧ و٤٩) يدل على كيفية بلوغ التنزيل الى محمد. التصريح الخامس، في ضرورة المعجزة لصحة النبوّة: ﴿وقالوا: لولا أُنزِل عليه آيات من ربه! ـ قل: انما الآيات عند الله! وانما أنا نذير مبين! أوَلم يكفهم أنا أَنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ (٥٠ ـ ٥١). فلا معجزة عند محمد، بل هو نذير، وآيته تلاوة الكتاب على العرب بلسان عربي مبين، في ﴿تفصيل الكتاب بالقرآن العربي. ويشهد على صحة التفصيل ونقل التنزيل ﴿الذين أوتوا العلم والإيمان أي ﴿النصارى.

وهنال بعض سور مختلف في زمانها، منها (الرعد)، السورة التسعون. نجد فيها الجدال الأخير بمكّة على صحة النبوّة والدعوة: ﴿ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هادٍ (٧)، فمحمد منذر، كما لكل قوم هادٍ، وهذا التشبيه يدل على أن نبوءة محمد لا تقوم على معجزة وبأنها هداية. وهذا الواقع التاريخي أمر مقرر مكرر: ﴿ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! ـ قلْ: إن الله يضل من يشاء ويهدي اليه مَن أناب (٢٧)، فليس لديه معجزة. فيزدادون تعجيزاً له: ﴿ولو أنّ قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى! - بل الله الأمر جميعاً! أفلم ييأس الذين آمنوا، أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً (٣١). ينتهي بالتسليم بالعجز المطلق عن كل معجزة، حتى كاد اليأس يستولي على جماعته، وحتى تيقن مشركو مكّة أنه ليس مرسلاً: ﴿ويقول الذين كفروا: لست مرسلاً! ـ قلْ: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومَن عنده علم الكتاب (٤٣).

ينتهي القرآن المكي بالتحدّي الأكبر: ﴿لست مرسلاً! فلا يرد التحدّي بمعجزة. ولا يقدم لهم إِعجاز القرآن معجزة له. آيته الوحيدة طول العهد بمكّة، إنما هي شهادة ﴿من عنده علم الكتاب أي النصارى ﴿أولو العلم والإيمان. فلا معجزة اذن في القرآن على الإطلاق، ولا يعتبر إِعجازه معجزة له. وهكذا فالواقع القرآني يؤكد قول المعتزلة الأقدمين: إن الله لم يجعل القرآن دليل النبوّة.

وكانت الهجرة الكبرى الى المدينة انقلاباً في الرسول والرسالة. وتحولت الدعوة ﴿بالحكمة والموعظة الحسنة، الى الدعوة بالجهاد والحديد الذي ﴿فيه بأس شديد ومنافع للناس (الحديد ٢٥). وانتقل الجدال من المشركين الى أهل الكتاب من اليهود. وبرز الصراع الخفي مع المنافقين من أهل المدينة.

في سورة (البقرة)، الأولى، يستشهد لآخر مرة في دعوة العرب بإِعجاز القرآن: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءَكم من دون الله إن كنتم صادقين (٢٣). أخيراً يتضح أن التحدّي بإِعجاز القرآن موجه للمشركين وحدهم. فيجيبونه: ﴿وقال الذين لا يعلمون (العرب الأميّون المشركون) لولا يكلمنا الله! أو تآتينا آية! ـ كذلك قال الذين من قبلهم (أهل مكّة) مثل قولهم، تشابهت قلوبهم! قد بيّنا الآيات (الخطابية) لقوم يوقنون: إنّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً (١١٨ ـ ١١٩). فموقف أهل المدينة من ضرورة المعجزة لصحة النبوّة كان مثل موقف أهل مكّة، وكان جواب النبي العربي الدائم: لا معجزة عنده، إنما هو بشير بالحق ونذير. لكن اليهود العليمين ﴿بالبيّنات والزبر أخذوا يردّون على دعوى إِعجاز القرآن. فقد لاحظوا التبديل في آيات القرآن (النحل ١٠١) والنسخ في أحكامه (البقرة ١٠٦) فأشاعوا بين الناس: إن محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً (الجلالان) فنزلت: ﴿ما ننسخ من آية، أو ننسها، نأتِ بخير منها أو مثلها: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (١٠٦). والتبديل في الآيات، والنسخ في الأحكام لا ينسجمان مع الإِعجاز في القرآن. بهذه الآية (البقرة ١٠٦) نسخ القرآن إِعجازه في الأحكام.

وفي سورة (الأنفال)، الثانية، يصف وقعة بدر، النصر الأول في الإسلام، ﴿يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، حيث فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله. فرأى محمد في النصر معجزته: ﴿فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم! وما رميت، ولكن الله رمى! (١٧). والإشارة بذرّ الرماد في وجه العدو علامة لبدء الغارة. فهل النصر في معركة معجزة؟ لم يقبل بها أهل المدينة، ﴿واذا تُتلى عليهم آياتنا قالوا: قد سمعنا! لو نشاء لقلنا مثل هذا! إنْ هذا إلا أساطير الأولين! (٣١). فبعد التحدّي كله بالقرآن لم يقتنعوا بإِعجازه. ويمعنون في التحدّي للنبي: ﴿إذ قالوا: اللهمّ، إن كان هذا هو الحق من عندك، فامطر علينا حجارة من السماء! أو ائتنا بعذاب أليم (٣٢). فهم يستمسكون بمعجزة حسية على صحة النبوّة، كالأنبياء الأولين، ولو كانت لهلاكهم.

وفي (آل عمران)، الثالثة، يأتي القول الفصل في إِعجاز القرآن كمعجزة: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب: منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب، وأُخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنّا به! كلٌّ من عند ربنا، وما يذّكر إلا أولو الألباب (٧). بهذه الآية، تحت ضغط جدال اليهود في القرآن، نسخ القرآن نفسه معجزة إِعجازه لفظاً ومعنى، بياناً وتبييناً. فالتصريح الأول: بوجود المتشابه في بيان القرآن يرفع صفة الإِعجاز المعجز عن نظمه وبيانه. والتصريح الثاني: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله نسخ صفة الإِعجاز المعجز في تعليمه وتبيانه. فكتاب يعجز الخلق عن تأويله وفهمه لا يكون معجزاً لهم. ومن البديهة انه يبعد أن يخاطب الله عبادة بما لا طاقة لأحد من الخلق في معرفته. وهناك خلاف في قراءَة الآية ﴿والراسخون في العلم ـ هل (الواو) للعطف أو للاستئناف. والأكثرون على أنها للاستئناف. لكن هب ان ﴿الراسخين في العلم معطوف على (الله) في معرفة تأويل القرآن، فيظلّ ذلك من شأن ﴿الراسخين في العلم، لا من شأن جميع المخاطبين بالقرآن، والقرآن للعامة كلهم، لا للخاصة وحدهم. فلا يكون القرآن معجزاً لجميع الناس الذين لا يعلمون تأويله وفهمه. وحاشا لله أن يخاطب الناس بمعجزة لغوية لا سبيل لهم الى ادراكها. وقد فاتهم جميعاً أن تعبير ﴿الراسخين في العلم (٧) هو اصطلاح قرآني مثل ﴿أولي العلم قائماً بالقسط (١٨)، وهو كناية عن النصارى من بني إسرائيل، فهم وحدهم مع الله يعلمون تأويل القرآن، أو على الاصحّ يسلمون به تسليماً ويفوضون تأويله لله. ومعنى الآية هو وصف موقف اليهود والنصارى من بني إسرائيل تجاه القرآن في المدينة: فإن كان اليهود من وراء المنافقين العرب، ﴿الذين في قلوبهم زيغ، يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإن النصارى وهم ﴿الراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كلٌّ من عند ربنا. هذا هو استشهاده المتواتر بهم على صحة دعوته. وهكذا يبقى التصريح الضخم قائماً: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله. وسنرى أن متشابه القرآن هو القرآن كله ما عدا آيات الاحكام (الإتقان ٢: ٢). لذلك فليس إِعجاز القرآن بمعجز ولا بمعجزة، اذ فهمه وتأويله من اختصاص الله وحده. وآية محمد على صحة رسالته ودعوته تبقى النصر في الحرب: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (١٣)، ﴿لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون (١٢٣). منذ نصر بدر، صارت آية النبي العربي تأييد الله له ﴿بنصره في الجهاد والقتال، وتوارى الحديث عن المعجزة والإِعجاز.

وفي سورة (محمد)، السادسة، نرى صدى هذه المعجزة من نوع جديد في ضمير المؤمنين: ﴿ويقول الذين آمنوا: لولا نزلت سورة! فإذا أُنزلت سورة محكمة، وذكر فيها القتال، رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشىّ عليه من الموت. فأولى لهم طاعة وقول معروف (٢٠ ـ ٢١). بسبب معجزة الجهاد كثر المنافقون في المدينة. وحصلت موجة من الارتداد عن الإسلام: ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم، من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سوّل لهم وأملى لهم (٢٥)، ﴿إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول، من بعد ما تبين لهم الهدى، لن يضروا الله شيئاً وسيُحبط أعمالهم (٣٢). ونلاحظ على قوله: ﴿فإذا أُنزلت سورة محكمة (٢٠) الإقرار الضمني بأن هناك سوراً غير محكمة، وغير معجزة، كما أن ﴿فيه آيات محكمات، هن أُم الكتاب، وأخر متشابهات (آل عمران ٧).

وفي (البيّنة)، التاسعة، نرى أن معجزة ﴿الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس لم يقبلها أيضاً اليهود ولا المشركون: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب (اليهود) والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة (١). والبيّنة التي يطلبون هي ﴿رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة! ـ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب (من اليهود) إلا من بعد ما جاءَتهم البيّنة - ٤). إن الخلاف على نوع البيّنة: فاليهود يرون في الرسول الحق الموعود مطابقته للتوراة من دون الإنجيل، والقرآن يرى أنه أتى بالبيّنة، وإن دعا إلى إقامة التوراة والإنجيل معاً، الى دين موسى وعيسى ديناً واحداً. وتلك البيّنة بأنه ﴿يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة تؤكد انتساب محمد الى كتاب على الأرض، لا الى كتاب محفوظ في السماء، فالقرآن العربي هو قراءة الكتاب المنزل قبله على العرب، بلسان عربي مبين.

وفي (الحج)، الثالثة عشرة، ما زال يجادل المشركين بهدى وعلم الكتاب المنير، ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (٨). فيطلبون منه معجزة حسية، كعذابهم الموعود (٤٧) فيجيب: ﴿قلْ: يا أيها الناس، إنما أنا لكم نذير مبين (٤٩) فليس عنده معجزة. لذلك ﴿لا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (٥٥). ليس عنده سوى الآيات الخطابية: ﴿واذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا (٧٢). وسورة (الحج) تسجل ضجة قامت في المدينة بين الطوائف كلها بسبب تصريح القرآن بإمكانية إلقاء الشيطان في تنزيل القرآن، ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض (المنافقين) والقاسية قلوبهم (المشركين) وإن الظالمين (اليهود) لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أُوتوا العلم (النصارى) أنه الحق من ربك، فيؤمنوا به فتخفق له قلوبهم، وإن الله لهادٍ الذين آمنوا (جماعة محمد) الى صراط مستقيم (٥٣ ـ ٥٤). فالنصارى من بني إسرائيل ﴿الذين أوتوا العلم آمنوا بإحكام الآيات بعد إلقاء الشيطان فيها، كما آمنوا بمتشابه القرآن، لأن الدعوة القرآنية دعوتهم. لكن إمكانية إلقاء الشيطان في الوحي تظل شبهة على الإِعجاز في التنزيل.

وفي (الفتح)، السابعة عشرة، يرى في صلح الحديبية ﴿فتحاً مبيناً يؤكد ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ليؤمنوا بالله ورسوله (٨ ـ ٩). فرسالة محمد شهادة. ومعجزة هذه الشهادة ظهور دينه على أديان الجزيرة: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً. محمد، رسول الله، ومن معه أشدّاء على الكفّار، رحماء بينهم (٢٨ ـ ٢٩). تكفيه شهادة الله بنصره في الجهاد: فلا معجزة ولا إِعجاز.

وفي (الصف)، السورة العشرين، يشيد بفتح شمال الحجاز حيث ﴿أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون (٩)، ويشيد بالمعجزة التي بدأت جماعته تحبها: ﴿وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين (١٣). فالفتح بالنصر لإظهار الإسلام على الدين كله هي المعجزة التي انتهت اليها الدعوة والنبوّة. سيكرر ذلك مرة ثالثة في (براءَة ٣٣). شعار واحد يردده ثلاث مرات: في بدء النصر على قريش، وفي النصر على يهود الشمال، وفي النصر على العرب المسيحين في أطراف الشام. هذا ما رأى فيه إِعجاز القرآن ومعجزة النبوّة.

وفي سورة (الصف ١٤) مفتاح لفهم سر الدعوة القرآنية ـ بعد محاربة الشرك. في مكّة قال: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (النمل ٧٦). وفي المدينة، بعد النصر على اليهودية في الشمال، يكشف سرّ دعوته: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله، كما قال عيسى، ابن مريم، للحواريين: من أنصاري الى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله. فآمنت طائفة من بني إسرائيل (هم النصارى = الأنصار)، وكفرت طائفة (اليهود) فأيدنا الذين آمنوا (النصارى) على عدوهم (اليهود) فأصبحوا ظاهرين. فالنصارى في لغة القرآن هم حصراً من بني إسرائيل. وهكذا عرفوا في التاريخ. ومن الجهل بالتاريخ والقرآن تسمية المسيحيين نصارى. والآية شاهد على أن الدعوة القرآنية قامت في الجزيرة العربية انتصاراً للنصرانية الإسرائيلية المؤمنة بالمسيح على اليهودية الكافرة به. فبالدعوة والجهاد تمّ النصر والفتح لهذه النصرانية. فالآيتان (النمل ٧٦ والصف ١٤) هما البرهان القاطع على أن الدعوة القرآنية ﴿نصرانية.

وانظر تفسير الجلالين في التعريف بتلكما الطائفتين ـ وهو مثال لتفاسيرهم: ﴿(فآمنت طائفة من بني إسرائيل) بعيسى وقالوا إنه عبد الله رفع الى السماء، (وكفرت طائفة) لقولهم إنه ابن الله رفعه اليه. فاقتتلت الطائفتان، فقوينا الطائفة المؤمنة على الطائفة الكافرة فأصبحوا غالبين. هذا جهل بالتاريخ والعقيدة. وهم معذورون لجهلهم حقيقة ﴿النصارى بعد أن أسهموا في نشأة الإسلام وذابوا فيه، واندثر وجودهم وخبرهم. مع أن القرآن شاهد ناطق بوجودهم وعملهم على عهده. فالطائفة الكافرة بالمسيح من بني إسرائيل لم يقبلوا البتّة ولم يقولوا ﴿إنه عبد الله رُفع الى السماء فهذا اعتراف منهم بأن المسيح أتى. والطائفة المؤمنة بالمسيح من بني إسرائيل لم يقولوا البتّة ﴿إنه ابن الله رفعه اليه. هذه مقالة المسيحية. وتلك مقالة النصرانية والقرآن. فلا ذكر على الإطلاق للمسيحية في آية (الصف ١٤). والجلالان وصحبهما ينسبون الى النصرانية عقيدة المسيحية.

وفي سورة (الحديد)، الحادية والعشرين، ينشد نشيد الحمد على فتح مكّة، عاصمة الشرك، بمعجزة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وأنزلنا الحديد، فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوى عزيز (٢٥). لقد بعث الله الرسل بكتاب الهدى وميزان العدالة لقيام العقيدة والشريعة بين الناس. أما مع محمد والقرآن فقد ﴿أنزلنا الحديد. لاحظ دقة التعبير حيث صار السيف معجزة منزلة، لصحة الدعوة والنبوّة. أليس هذا ﴿بدْعاً من الرسل (الأحقاف ٩)، في مقابلة القرآن الصريحة (الحديد ٢٥).

وفي (المائدة)، الثانية والعشرين، ينقل من حجة الوداع: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً (٣). أي إسلام؟ إسلام الشاهدين له: ﴿إنّا كنا من قبله مسلمين (القصص ٥٣)، إسلام ﴿أولي العلم قائماً بالقسط الذين يشهدون مع الله وملائكته ﴿إن الدين عند الله الإسلام (آل عمران ١٨ ـ ١٩)، إسلام الطائفة المؤمنة بالمسيح من بني إسرائيل، التي انتصرت على اليهودية بفضل القرآن وجهاد النبي (الصف ١٤)، أي إسلام ﴿النصارى الذي ارتضاه لهم ديناً، وظهر على اليهودية والشرك. لذلك ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، فلا تخشوهم واخشون (٣). فالخوف من بطش الله ورسوله ظل آيته حتى النهاية، لظهور الإسلام ﴿النصراني على اليهودية والشرك: ﴿لتجدَنَّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدَنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى... يقولون: ربنا آمنا مع الشاهدين (٨٢ و٨٣). فاليهود والعرب المشركون هم أهل العداوة، والنصارى أهل المودة والإيمان والشهادة الى النهاية. وهذا الإعلان الصريح دليل على أن الدعوة القرآنية ظلت حتى النهاية دعوة ﴿نصرانية. وانتصار الإسلام القرآني على الدين كله، أي على اليهودية والشرك، هو انتصار ﴿النصرانية في الجزيرة العربية. وهذا الظهور بالنصر والفتح هو معجزة القرآن والنبوّة.

وفي (التوبة ـ براءَة)، الثالثة والعشرين، أُحكمت ﴿آية السيف، معجزة القرآن والنبي العربي: ﴿براءَة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين... فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم من حِلّ وحرم (١ - ٢ و٥). فهو يشرع قتال المشركين العرب حتى يسلموا. جاء في (الناسخ والمنسوخ) ص ٢٦ للنحاس: ﴿نسخ بهذه الآية (٥) وثلاثة عشر موضعاً في القرآن. وقال ابن حزم: ﴿نسخ بهذه الآية مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة. ونقل (الإتقان ٢: ٢٤) ﴿قال ابن العربي: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفّار والتولي والاعراض والكف عنهم، منسوخ بآية السيف. وهذا الواقع الضخم دليل على أن ﴿آية السيف هي دليل النبوّة، لا المعجزة ولا الإِعجاز، في ظهور الإسلام على الدين كله. وهو يشرع قتال أهل الكتاب العرب ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (٢٩) أي حتى يخضعوا لسلطان الإسلام، لا لدين الإسلام. هكذا بقتال الناس كلهم، من مشركين وكتابيين، يكون ظهوره ﴿على الدين كله (٣٣). هذه هي شرعة القرآن الأخيرة، ووصية محمد الأخيرة لأمته. فهي دليل النبوّة والدعوة، لا المعجزة ولا الإِعجاز.

وختام القرآن المدني، بل القرآن كله، في سورة (النصر)، وهي نشيد الحمد الختامي على معجزة القرآن والنبوّة، في النصر والفتح:

﴿إذا جاء نصر الله والفتح .. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً

فسبح بحمد ربك .. واستغفره إنه كان تواباً

إنها نشيد الحمد على سيطرة الإسلام على الجزيرة العربية. إنها نشيد الحمد على معجزة النصر والفتح. لكنها، بنص القرآن القاطع، تظل معجزة مشبوهة، لانها تقتضي الاستغفار، ولا أمر بالاستغفار حالَ النصر والفتح بدون ذنب. وهكذا فالصدى الأخير لمعجزة السيف، كالصدى الأخير لمعجزة الإِعجاز (آل عمران ٧)، أنها من ﴿متشابهات القرآن.

هذا هو الواقع القرآني من المعجزة. حاول الأقدمون اخفاءه، وحاول أهل الإِعجاز ستره بجعل الإِعجاز معجزة القرآن، وقهرت النزاهة العلمية أهل عصرنا على الجهر به.

بدأه الأستاذ حسين هيكل في (حياة محمد، ص ٥٥): ﴿لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد، إلاّ القرآن.

وختمه الأستاذ دروزة بتحليل جامع مانع: ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته ٨

وفي تحليل الواقع القرآني ثبت لنا:

أولاً: لا معجزة حسية في القرآن، وأن المعجزة منعت عن محمد منعاً مبدئياً قاطعاً (الإسراء ٥٩)، ومنعاً فعلياً حازماً (الأنعام ٣٥). وآية محمد الوحيدة هي شهادة ﴿أولي العلم له على صحة دعوته: ﴿وقال الذين كفروا: لست مرسلاً! ـ قلْ: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (الرعد ٤٣).

ثانياً: لا نبوءة غيبية في القرآن، فالتصريح بذلك حازم قاطع: ﴿ولا أعلم الغيب  (الأنعام ٥٠).

ثالثاً: لم يعتبر القرآن إِعجازه معجزة له (آل عمران ٧). وهذا ما سنفصله في القسم الثاني.

وهكذا فقد رجع المعاصرون الى مقالة الأقدمين: إن الله لم يجعل القرآن دليل النبوة. هذا هو الواقع القرآني الذي لا ريب فيه. لذلك فكل ما نسبوه في الحديث والسيرة والمغازي والشمائل من معجزات لمحمد مدسوس عليه ينقضه واقع القرآن.

وقال القرآن في النبي العربي: ﴿ما كنتُ بدْعاً من الرسل (الأحقاف ٩). لكن الرسالة ظهرت على وجهين مختلفين ما بين مكّة والمدينة. كانت الدعوة في مكّة ﴿بالحكمة والموعظة الحسنة على طريقة الرسل الأولين، ففشلت، وفي المدينة نجحت الدعوة العسكرية بشرعة الجهاد، أولاً للدفاع عن العقيدة، ثم لفرضها بالقوة على الجزيرة العربية، ﴿بالحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس. وفي تقييم هذا الدور من الرسالة قال الأستاذ حسين هيكل في (حياة محمد ١٩٠):

﴿هنا يبدأ الدور السياسي... وهذا الدور من حياة الرسول لم يسبقه إليه نبي أو رسول. فقد كان عيسى، وكان موسى، وكان من سبقهما من الأنبياء يقفون عند الدعوة الدينية يبلغونها للناس من طريق الجدل ومن طريق المعجزة... وكذلك أمر سائر الأديان في شرق العالم وغربه. فأمّا محمد فقد أراد الله أن يتمَّ نشر الإسلام وانتصار كلمة الحق على يديه، وأن يكون الرسول والسياسي والمجاهد والفاتح. ألا يعني هذا أن محمداً صار ﴿بدْعاً من الرسل؟ وأن السياسة والجهاد والفتح كانت دلائل النبوّة؟ أنحن في رسالة السماء، أم في سياسة الدنيا؟ أنحن في تأسيس دين أم في تكوين دولة؟ لقد غارت العقيدة في السياسة! وتاه الدين في الدولة! ﴿بهذا الدور الذي لم يسبقه إليه نبي ولا رسول.

أما نحن فنقول: إن نبوّة محمد ورسالته قد اقتصرت، بأمر ملاك الله له في رؤيا غار حرّاء، على ﴿تفصيل الكتاب (يونس ٣٧) بالقرآن العربي. وهذا لا يحتاج الى معجزة ولا إلى نبوءة غيبية، ولا الى إِعجاز في قرآن الكتاب. يكفيه شهادة ﴿أولي العلم والإيمان على صحة رسالته هذه وعلى صحة دعوته: ﴿قلْ كفى بالله شهيداً بيني  وبينكم، ومن عنده علم الكتاب (الرعد ٤٣). فالقول الفصل: ليس في القرآن والسيرة من معجزة حسية.

بحث ثان

المعجزات في الحديث والسيرة

لقد ثبت لنا بالبحث السابق في الواقع القرآني وبشهادة أئمة العلماء في عصرنا أنه لا معجزة في القرآن، مع أنه قد رافقه، طول الرسالة والدعوة، تحدي العرب له بمعجزة كالأنبياء الأولين، فما نزلت ولا وقعت. وهذا الموقف القرآني السلبي من كل معجزة يستند، بتصريح القرآن نفسه، إلى مبدإٍ إلهي مقرر: لقد شهد القرآن نفسه بعجز محمد عن كل معجزة عجزاً مطلقاً (الأنعام ٣٥).

أولاً: موقف الأقدمين

تجاه هذا الواقع القرآني المشهود، من الغريب حقاً أن ينسب أهل الحديث والسيرة والمغازي والشمائل، حتى أهل علم الكلام، هذا السيل العرم من المعجزات الى محمد، فينقضون بذلك صريح القرآن.

ومن المؤلم حقاً أن ينجرف حجة الإسلام، الغزالي نفسه، في تيار الحديث والسيرة فيأخذ بما فيهما من المعجزات على حقيقته التاريخية، بعد الواقع القرآني المشهود. وننقل هنا فصلاً من (إحياء علوم الدين)، القسم الثاني: ﴿ربع العادات ص ٣٤١.

بيان معجزاته وآياته الدالة على صدقه:

... وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب فيه محصل. فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار واشتملت عليه الكتب الصحيحة، إشارة الى مجامعها، من غير تطويل بحكاية التفصيل. فقد خرق الله العادة على يده غير مرة.

١ ـ انشق له القمر بمكّة، لما سألته قريش آية.

٢ ـ وأطعم النفر الكثير في منزل جابر، وفي منزل أبي طلحة ويوم الخندق. ويوماً أطعم ثمانين من أربعة أمداد شعير. ومرة أكثر من ثمانين رجلاً من أقراص شعير حملها أنس في يده. ومرة أهل الجيش من تمر يسير ساقته بنت بشير في يدها فأكلوها كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم.

٣ ـ ونبعَ الماء من بين أصابعه عليه السلام، فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش، وتوضأوا من قدح صغير ضاق عن أن يبسط عليه السلام يده فيه.

٤ ـ وأهرق عليه السلام وضوءَه في عين تبوك ولا ماء فيها، ومرة في بئر الحديبية، فجاشتا بالماء. فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ألوف حتى رووا. وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسماية، ولم يكن فيها قبل ذلك ماء.

٥ ـ وأمر عليه السلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزود أربعماية راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير ـ وهو موضع بروكه ـ فزوّدهم كلهم منه، وبقي منه، فحبسه.

٦ ـ ورمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونهم. ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وما رميت ولكن الله رمى.

٧ ـ وأبطل الله تعالى الكهانة بمبعثه r فعدمت، وكانت ظاهرة موجودة.

٨ ـ وحنَّ الجذع الذي كان يخطب اليه، لمّا عمل له المنبر، حتى سمع منه جميع أصحابه مثل صوت الابل، فضمّه إليه فسكن.

٩ ـ ودعا اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك وعجزوا عنه. وهذا مذكور في سورة البقرة.

١٠ ـ وأخبر عليه السلام بالغيوب: وأنذر عثمان بأن تصيبه بلوى من بعدها الجنة. وبأن عماراً تقتله الفئة الباغية. وأن الحسن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين. وأخبر عليه السلام عن رجل قاتل في سبيل الله أنه من أهل النار فظهر ذلك بأن ذلك الرجل قتل نفسه. وهذه كلها أشياء إلهية لا تُعرف البتة بشيء عن وجوه تقدّمت المعرفة بها، لا بنجوم، ولا بكشف، ولا بخط، ولا برجز، لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه إليه.

١١ ـ واتبعه سراقه بن مالك، فساخت قدما فرسه في الأرض، واتبعه دخان حتى استغاثه. فدعا له فانطلق الفرس. وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سوارا كسرى فكان كذلك.

١٢ ـ وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب، ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وأخبر بمن قتله.

١٣ ـ وخرج على ماية من قريش ينتظرونه فوضع التراب على رؤوسهم ولم يروه.

١٤ ـ وشكا اليه البعير بحضرة أصحابه وتذلّل له.

١٥ ـ وقال لنفر من أصحابه مجتمعين: أحدكم في النار، ضرسه مثل أُحُد. فماتوا كلهم على استقامة، وارتد منهم واحد فقُتل مرتداً.

١٦ ـ وقال لآخرين منهم (أصحابه): آخركم موتا في النار. فسقط آخرهم موتاً في النار فاحترق فيها فمات.

١٧ ـ ودعا شجرتين فأتتاه واجتمعتا. ثم أمرهما فافترقتا.

١٨ ـ وكان عليه السلام نحو الرابعة. فإذا مشى مع الطوال طالهم.

١٩ ـ ودعا عليه السلام النصارى إلى المباهلة، فعرفهم r أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا. فعلموا صحة قوله فامتنعوا.

٢٠ ـ وأتاه عامر بن الطفيل بن مالك، وأربد بن قبس، وهما فارسا العرب وفاتكاهم عازمين على قتله عليه السلام. فحيل بينهما وبين ذلك، ودعا عليهما، فهلك عامر بغده، وهلك أربد بصاعقة أحرقته.

٢١ ـ وأخبر عليه السلام أنه يقتل ابي بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أُحد خدشاً لطيفاً، فكانت منيته فيه.

٢٢ ـ وأُطعم عليه السلام السم. فمات الذي أكله معه. وعاش هو r بعده أربع سنين. وكلّمه الذراع المسموم.

٢٣ ـ وأخبر عليه السلام يوم بدر بمصارع صناديد قريش. ووفقهم على مصارعهم رجلاً رجلاً. فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع.

٢٤ ـ وأنذر عليه السلام بأن طوائف من أمته يغزون في البحر. فكان كذلك.

٢٥ ـ وزويت له الأرض فأُريَ مشارقها ومغاربها. وأُخبر بأن ملك أمته سيبلغ ما زوي له منها. فكان كذلك. فقد بلغ ملكهم من أول المشرق، من بلاد الترك، الى آخر المغرب من بحر الأندلس، وبلاد البربر. ولم يتّسعوا في الجنوب، ولا في الشمال، كما أخبر r سواء بسواء.

٢٦ ـ وأخبر فاطمة ابنته رضي الله عنها بأنها أول أهله لحاقاً به فكان كذلك.

٢٧ ـ وأخبر نساءَه بأن أطوالهن يداً أسرعهن لحاقاً به. فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يداً أولهن لحاقاً به رضي الله عنها.

٢٨ ـ ومسح ضرع شاه حائل لا لبن لها. فدرّت وكان ذلك سبب اسلام ابن مسعود رضي الله عنه. وفعل ذلك مرة أخرى في خيمة أم معبد الخزاعية.

٢٩ ـ وندرت عين بعض أصحابه فسقطت فردّها عليه السلام بيده فكانت أصح عينيه وأحسنهما.

٣٠ ـ وتفل في عين علي رضي الله عنه، وهو أرمد، يوم خيبر، فصحّ من وقته وبعثه بالراية.

٣١ ـ وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه r .

٣٢ ـ وأُصيبت رِجل بعض أصحابه r فمسحها بيده، فبرأت من حينها.

٣٣ ـ وقلّ زاد جيش كان معه عليه السلام فدعا بجميع ما بقي، فاجتمع شيء يسير جداً. فدعا فيه بالبركة. ثم أمرهم فأخذوا. فلم يبقَ وعاء بالعسكر، إلا ملئ من ذلك.

٣٤ ـ وحكى الحكم بن العاص بن وائل مشْيته عليه السلام مستهزئاً. فقال r كذلك فكن. فلم يزل يرتعش حتى مات.

٣٥ ـ وخطب عليه السلام امرأة. فقال له أبوها: إن بها برصاً، امتناعاً من خطبته واعتذاراً. ولم يكن بها برص. فقال عليه السلام: فلتكن كذلك فبرصت. وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر.

إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته r . وإنما اقتصرنا على المستفيض.

﴿ومن يستريب من انخراق العادة على يده، ويزعم أن آحاد هذه الوقائع لم تُنقل تواتراً، بل المتواتر هو القرآن فقط... ولكن مجموع الوقائع يورث علماً ضروريّاً.

هذا ما نقله الغزالي في (الاحياء) بصفته زعيم المتكلمين. وقد أحسن اذ ﴿اقتصر على المستفيض. لكنه أورد مبدأ التواتر الذي لا يصحّ حديث بدونه. فكيف فاته أن لا يعمل به، وهو يعلم ﴿أن آحاد هذه الوقائع لم تنقل تواتراً، ويعلم أيضاً أن مجموع الوقائع من الآحاد لا يورث علماً ضرورياً. وفاته استطلاع الواقع القرآني المشهود ففيه القول الفصل. وما أشار اليه من القرآن سنفرز له بحثاً خاصاً.

ثانياً: موقف المعاصرين الصادقين

وأتى عصر العلم والنقد. وأخذ العلماء يجهرون بالحقيقة.

١ ـ أوجز الأستاذ حسين هيكل ٩ ، بعد بحث طويل: ﴿لقد كان r حريصاً على أن يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن. ويصارح أصحابه بذلك... ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم، برسالة محمد، إلاّ القرآن... هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمداً من الرسل.

٢ ـ وفصل الأستاذ عبد الله السمان ١٠ : ﴿لقد أغرم كثير من المسلمين بأن يحوطوا شخصية الرسول بهالة كبرى من الخوارق، منذ أن حملت به أمه الى أن لقي ربه. وبلغ الغلو بهم درجة لا تطاق. ومن المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح....     

١) وقال: ﴿إن الكثيرين حين يحاولون دراسة شخصية الرسول، يعمدون الى كتب السيرة ليأخذوا جزافاً بكل ما ورد فيها. وهذه الكتب على كثرتها لا يجوز أن تكون مرجعاً أصيلاً في هذا الصدد، لأنها كتبت في عصور لم يكن النقد مباحاً تماماً فيها. ومعظمها كان يدون لغاية تعبدية. والخلافات الكثيرة في رواياتها يحتم على الباحث أن يقف منها موقف الحذر والحيطة.

﴿وقد استوعبت كتب السيرة سيلاً من أنباء الخوارق والمعجزات، التي تزيد وتنقص تبعاً لاختلاف الأزمان التي دُوّنت فيها. فبينما نجد سيرة ابن هشام لا تعنى كثيراً بأنباء الخوارق والمعجزات، نجد أن سيرة ابن أبي الفداء، و(الشفاء) للقاضي عياض، وغيرهما، قد عنيت العناية الكبرى بها. وكتب السيرة مزدحمة بالرواة القصاصين الذين عرفوا بالصناعة القصصية في ما يروون. وهؤلاء لا يتحرّون الدقة في سند الرواية أو متنها، لأنهم يعنيهم ـ فحسب ـ صياغة الأسلوب وعنصر التشويق.

٢) ثم قال: ﴿وإذا تركنا السيرة الى كتب الحديث ألفينا أنفسنا إزاء مشكلة معقدة تجعل الباحث في حيرة لا تنتهي ولا تقف عند حد... وظهر وضع آلاف الأحاديث ونسبتها الى النبي لتكون مؤيداً لحزب سياسي، أو ناقضاً لحزب آخر. وانتهز اليهود والزنادقة فرصة هذه الخلافات التي تدثرت بالدماء في معظم الأحايين، وراحوا يختلقون الأحاديث ليهدموا بها الإسلام، ويشغلوا العامة عن أصوله لتنصرف الى شكلياته. كما تطوّع كثير من السذّج والبسطاء فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، ظناً منهم أن في هذا خدمة للدين، ولو عقلوا لأدركوا أنهم إنما أساؤوا إلى الدين أكبر إساءَة....

(مع هذه الأسباب الثلاثة لاختلاف الاحاديث) لم يبدأ التدوين إلا في عهد المأمون. وذلك بعد أن اختلط النقي بالدخيل، وأصبح الحديث الصحيح في الحديث الكَذِب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، كما يقول الدراقطني أحد جامعي الحديث المعروفين... وحسبك أن تعلم أن البخاري، وهو شيخهم، قد وجد أن الاحاديث المتداولة تزيد على ستماية ألف حديث، ولكنه لم يعتمد منها في صحيحه إلا قرابة أربعة آلاف.

ولدينا نموذج حي بهذا الخلط في الأحاديث النبوية، وهو كتاب (احياء علوم الدين) للإمام الغزالي، من علماء الثلث الأخير من القرن الخامس، هذا الكتاب الضخم جمع بين دفتيه ألوف الأحاديث المنسوبة الى رسول الله. وجاء الحافظ العراقي، في أواخر القرن الثامن، ليخرج أحاديث (الاحياء) وليجد من بين كل عشرة أحاديث واحداً تقريباً يمكن الاعتماد عليه.

٣) ثم قال: ﴿وبعض تفاسير القرآن نفسها محشو بآلاف الأحاديث المنسوبة الى الرسول، دون أن يكلف أصحاب التفاسير أنفسهم مشقّة توضيح درجتها من الصحة والضعف.

﴿... الذين يتشدّقون بأحاديث دخيلة، ويصرّون على نسبتها الى رسول الله، ولو قبلناها، لكان معنى هذا أن محمداً نطق بما يفسد ذوق الحياة، ويتنكر لسنتها، ويهدم بمعولٍ هذه الشريعة التي قامت أصولها على المنطق القوي السليم.

﴿... وهؤلاء الحمقى يرضي عقولهم مثلاً أن يكون محمد ولد مختوناً مكحولاً مطهراً. وأن أبواب الجنة فتحت وأبواب الجحيم أًغلقت ساعة ميلاده. وأن ايوان كسرى تصدّع، ونيران فارس أًخمدت، وبحيرة طبرية غارت. ويرضيهم أن يكون الجذع في المسجد قد حن اليه، وأن الحصى سبح بين يديه. وأن غار ثور الذي لجأ إليه يوم هجرته قد خيّم العنكبوت على بابه وباض الحمام... دون ما نظر الى أن مثل هذه القضية، إنما تحتاج إلى أخبار معتمدة. وليس هناك آية قرآنية صريحة في القضية، ولا حديث واحد متواتر...

﴿وما دام هؤلاء يحرصون على أن يكون لمحمد امتياز في كل شيء، فلابد أن يكون له امتياز في الجماع. ولذا كان من خصوصياته الزواج بأكثر من أربع نسوة، دون سائر المسلمين، حتى لقد مات عن تسع، سأترك للقاضى عياض في كتابه (الشفاء) يقول: وقد روينا عن أنس أنه ـ صلوات الله عليه ـ كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار، وهنَّ إحدى عشرة! قال أنس: وكنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين رجلاً. خرّجه النسائي. وروي نحوه عن أبي رافع وعن طاووس: له عليه السلام قوة أربعين رجلاً. وفي حديث أنس أنه عليه السلام قال: فُضّلت على الناس بأربع: السخاء والشجاعة وكثرة الجماع وقوة البطش.  

﴿حتى اذا أراد أن يتبوّل أو يتغوّط، فلا يمكن في نظرهم أن يكون كالبشر، بل لا بدّ له من امتياز، وإلاّ فما معنى كونه سيّد وُلد آدم ولا فخر! فالقاضي عياض تارة يقول: إن الرسول كان اذا أراد قضاء حاجته في الخلاء تجمعت الحجارة والأشجار لتستره! وتارة يقول: إنه اذا أراد أن يتغوّط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة ـ لأن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يُرى منه شيء. ثم يواصل القاضي عياض هذا الهوس فيقول: إن قوماً من أهل العلم قالوا بطهارة هذين الحدثين منه r . ويدّعي القاضي أن أُم أيمن ـ وكانت تخدم رسول الله ـ شربت من بوله، فقال لها: لن تشتكي وجع بطنك أبداً...

وختم بقوله ١١ : ﴿ولسائل أن يتساءَل: ألم تحدث للرسول معجزات؟

﴿ونحن نقول له: إن كتب الأحاديث، وكتب السيرة، قد استوعبت آلاف المعجزات. ومنها ما بلغ الى درجة التطرّف الذي يفرض علينا الضحك. وحسبك أن تقرأ (دلائل النبوّة) للبيهقي، وأبي نعيم، و(الشفاء) للقاضي عياض، وشرح الزرقاني على (المواهب). والأحاديث المعتمدة معدودة على الأصابع. وكلها أحادية لا تقطع بخبر. ومنها: نبع الماء، وتكثير الطعام...

﴿والأحاديث التي وردت فيها أخبار الرسول عن الغيب تتعارض مع صريح القرآن الذي يؤكد أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ومن هذه الأحاديث، الأخبار عن عمار بأن ستقتله الفئة الباغية، وأن الحسن يصلح الله به بين فئتين...

﴿فلا يمكن أن نقرّ بحال من الأحوال هذا السيل من المعجزات التي نسبت إليه، والتي لو وزعت على الثلاثة والعشرين عاماً التي قضاها في النبوّة، لأصبح واضحاً أن هذه المدة إنما ضاعت في حدوث الخوارق المتواصلة، دون أن يفرغ لنضال في مكّة، أو قتال وتشريع في المدينة.

﴿والذي يقرأ للقاضي عياض في كتابه (الشفاء)، يُصاب بدوار، فهو ينسب الى الرسول معجزات متنوعة، محاولاً أن يجعلها شاملة لكل معجزات الرسل قبله. حتى إحياء الموتى ينسبه الى الرسول ١٢ ، ويذكر دون خجل... حتى حين يفكر رسول الله في قضاء حاجته بالخلاء، تنتقل الأشجار وتتكدس الحجارة، وذلك لتواريه عن الأعين! وحين يسير، ما من شجرة ولا حجر إلا يقول: السلام عليك يا رسول الله! وحين يدعو العباس وأهل بيته، تقول الأبواب والحوائط: آمين. وهو يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وفي الظلام كما في النور... فينسب الى الرسول معجزات كان خيراً لو أنه لم ينسبها اليه... بدل أن يُعرّض شخصيّة محمد للسخرية.

﴿إن القرآن ذكر بعض الآيات لبعض الرسل دون البعض الآخر، فكان أجدر له أن يذكر بعض معجزات لمحمد الذي أُنزل عليه. ولكن الله عزّ وجلّ أراد أن يرفع من قدر الرسالة فيجعلها عقلية منطقية تخاطب العقل والمنطق. وأيدها بكتاب الله ليعيش معها إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها، كآية خالدة معجزة. وقد شق محمد لدعوته طريقه إلى القلوب والعقول، غير مؤيّد بالخوارق، التي لم تصلح من قبله وسيلة لإقناع، لأن معه نهجاً واضحاً من كتاب الله، ليس فيه تعقيد ولا التواء. ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر.

وهكذا فالأستاذ السمان ينقض كل معجزات الحديث والسيرة والشمائل والمغازي. وينقض معها كل ما يتوهمونه من معجزات في بعض آيات القرآن. فالواقع التاريخي والقرآني أن محمداً ﴿غير مؤيد بالخوارق في نبوته ورسالته.

فلا معجزة لمحمد سوى القرآن. هذا ما قاله من قبله حسين هيكل وأهل الإِعجاز.

لكننا نأخذ عليه قوله، في تبرير منع المعجزات عن محمد، ﴿ان الله عزّ وجلّ أراد أن يرفع من قدر الرسالة فيجعلها عقلية منطقية تخاطب العقل والمنطق. ورسالة ﴿عقلية منطقية تُنزل الوحي منزلة العقل، ليس العقل البشري بحاجة إليها، وهو بغنى عنها. وهل كونها ﴿عقلية منطقية دليل على أنها من الله؟ حينئذٍ كل تأليف بشري ديني، ﴿عقلي منطقي هو من الله! فلا بدَّ من برهان إلهي قرين النبوّة يدل عليها حتى يصح اعتبارها من الله. لقد نسي قول الإمام الجويني ١٣ ، استاذ الغزالي: ﴿لا دليل على صدق النبي غير المعجزة. فإن قيل: هل في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة؟ قلنا: ذلك غير ممكن.

ونأخذ عليه أيضاً قوله: إن الله لم يؤيد محمداً بالخوارق لأنها ﴿لم تصلح من قبله وسيلة للإقناع. والإنجيل والتوراة شاهدا عدل على فساد هذه النظرية وعلى عدم مطابقتها لواقع النبوّة: فقد قامت رسالة موسى ورسالة المسيح على المعجزة، وبسبب المعجزة آمن بهما الناس على زمانهما ومن بعدهما. هذا من حيث الايجاب. ومن حيث السلب، فالواقع القرآني المكي شاهد عدل على أن أهل مكّة تحدّوا النبي طول العهد بمكّة بالاتيان بمعجزة ليؤمنوا به: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله (الأنعام ١٢٤)، ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (الأنبياء ٥)، ﴿وأقسموا بالله جَهْد إيمانهم: لئن جاءَتهم آية ليؤمن بها (الأنعام ١٠٩)، ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا... إلا أن تأتيهم سُنّة الأولين (الكهف ٥٥). ففي عرْف القرآن ونصّه القاطع، ان المعجزة ﴿سلطان الله المبين الوحيد في الشهادة لصحة رسالة أنبيائه ودعوتهم (هود ٩٦، المؤمنون ٤٥ ـ ٤٧، غافر ٢٣ ـ ٢٤)، وأنها ﴿سُنّة الأولين في النبوّة والدعوة (الكهف ٥٥، الأنبياء ٥).

٣ ـ هذا ما وصل اليه أيضاً الأستاذ دروزة، في فصل قيَّم فيه موقف القرآن السلبي من كل معجزة. وختم استشهاد القرآن بقوله: ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته ـ التي جاءت بأسلوب جديد: هو أسلوب لفت النظر الى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها... ثم أسلوب مخاطبة العقل والقلب، في الحث على الفضائل والتنفير من الرذائل... وعلى اعتبار أن الدعوة التي تقوم على تقرير وجود الله واستحقاقه وحده للعبودية واتصافه بجميع صفات الكمال، وعلى التزام الفضائل واجتناب الفواحش، هي في غنى عن معجزات خارقة للعادة لا تتصل بها بالذات (سيرة الرسول ١: ٢٢٦).

فالأستاذ دروزة يشهد بشهادة القرآن عينها ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام. ونحن نكرر هذا الاعتراف الصريح الذي ينكر المعجزات مبدَئياً وواقعيّاً في الدعوة القرآنية والسيرة النبوية.

لكننا نأخذ عليه تبرير موقف القرآن السلبي من كل معجزة، وتبرير حكمة هذا الموقف السلبي، بأن الدعوة القرآنية ﴿جاءت بأسلوب جديد في الدعوة والنبوّة، يردّه الى ثلاث ظواهر:

١) ﴿أسلوب لفت النظر الى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها كأن القرآن ابتدع هذا الأسلوب، أو أعجز فيه أكثر من الكتاب والحكمة والنبوّة والإنجيل. أليس هذا الأسلوب هو أسلوب الأنبياء كأشعيا؟ أليس مزامير الزبور، كتاب صلاة الإسرائيليين والمسيحيين، على هذا الأسلوب؟ أليس الذي أعجز فيه سفر الحكمة، للرد على الفلسفة الاغريقية؟ يكفيه أن يقرأ الإنجيل بحسب متى ليرى أن المعلم المعجز في هذا الأسلوب هو السيد المسيح. وفات الأستاذ أن هذا هو أسلوب الفلاسفة الموحّدين، وأسلوب جميع المتكلمين والخطباء في التوحيد: فهل هذا الأسلوب دليل النبوّة عندهم؟

٢) ﴿ثم أسلوب مخاطبة العقل والقلب في الترغيب والترهيب. نجيب على الأستاذ دروزة بشهادة زميله الأستاذ عبد الله السمان ١٤ : ﴿وأسلوب الدعوات الى الله يستوي فيه جميع الأنبياء والرسل، لأنهم جميعاً تربط بينهم مهمة واحدة وهدف واحد، ويشقون طريقهم الى قلوب الناس بأسلوب واحد، هو تبشير المستجيبين منهم بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وإنذار المتمردين منهم بشقائهما. ومحمد صلوات الله عليه واحد من الرسل، وقد التزم هذا الأسلوب في دعوته منذ بدايتها الى آخر لحظة من حياته: ﴿ما يُقال لك إلا ما قيل للرسل من قبلك، إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (فصلت ٤٣).

٣)  إن الدعوة التي تقوم على تقرير وجود الله... وعلى التزام الفضائل واجتناب الفواحش، هي في غنى عن معجزات خارقة للعادة لا تتصل بها بالذات. هل يجهل الأستاذ دروزة أن جميع مؤلفات الموحدين والمصلحين، من مؤمنين بالنبوّة وكافرين، تدعو الى التوحيد والفضيلة، فهل صاروا بها كلهم أنبياء؟ ومؤلفات نوابغ الفكر الإسلامي والفكر المسيحي كلها ممّا قرّر: فهل كلها نبوءات؟ وما الذي يميزها عن دعوات النبوءات سوى المعجزات؟ وما الذي يميزها عن القرآن نفسه سوى إِعجازه في النظم والبيان؟ أجل لقد فات السيد دروزة قول الإمام الجويني الذي نقلناه في مطلع كتابنا: ﴿لا دليل على صدق النبي غير المعجزة. فإن قيل: هل في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة؟ قلنا: ذلك غير ممكن. وجدلية الأستاذ دروزة كغيره منذ ابن خلدون هي المغالطة عينها: ليس المطلوب صحة قول النبي في ذاته، بل صدقه ان كلامه هو كلام الله، لأن حقيقة كلام الإنسان مهما سمت لا يمكن أن تتمتع بعصمة كلام الله، وحكمها وحكمتها بحكم وحكمة كلام الله. والحقيقة المطلقة في الكلام المخلوق لا تجعله في ذاته كلام الخالق، فلا بدّ من بيّنة خارجة عن الكلام ذاته تدل على أنه كلام الله وأن النبي صادق في نقله عن ربه، وهذه هي المعجزة التي يشهد بها الله لنبيه. ولنا عودة الى هذا الموضوع كله.

ثالثاً: موقف بعض المعاصرين الرجعيين

يقول عبد الرازاق نوفل ١٥ : ﴿ومعجزاته القولية والفعلية أكثر من معجزات جميع الأنبياء من آدم الى سيدنا المسيح مجتمعة.

ولا عجب في ذلك فقد سبقه حجة الإسلام، الغزالي، كما نقلناه عنه.

فما ينسبونه إلى محمد من معجزة في القرآن والحديث، ﴿من المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح، ﴿وليست هناك معجزة يؤكدها خبر قطعي، مما نُسب الى رسول الله ـ كما نقلنا عن الأستاذ عبد الله السمان. وقد نقلنا حملته الصادقة على أهل الحديث، وعلى أهل السيرة، وعلى أهل التفسير، الذين يضلّلون المسلمين، ويثيرون سخرية المثقفين.

وكم هو منطقي وواقعي قول إمام الأزهر، الشيخ المراغي ١٦ : ﴿ومن الحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حداً دعا الدعاة فيهم الى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات، حتى قال عليّ: ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلاّ ما في القرآن، وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله فيها فرائض الصدقة... أما مضرة الروايات التي لا يقرّها العقل والعلم فقد أصبحت واضحة ملموسة... ولقد كان r حريصاً على أن يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يُوحى اليه، حتى كان لا يرضى أن تُنسب اليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك... فالقرآن وحده معجزة محمد.

سنرى في القسم الثاني هل يعتبر القرآن اعجازه معجزة له، بل هل يصحّ اعتماد إِعجاز القرآن معجزة له.

وسنرى في هذا الفصل رأي أدعياء العلم والتفسير الذين يرون معجزات وغيبيات في ﴿كونيات القرآن ومطابقتها لاختراعات العلم العصري. يكفيهم ردّاً قول الأستاذ عبد الله السمان، الذي نقلناه.

وهكذا ثبت لدينا، موقف القرآن السلبي من كل معجزة تنسب إلى محمد، ومن شهادة أهل العلم الصادقين، أنه ليس في الحديث والسيرة من معجزة.

بحث ثالث

قالوا ذكر القرآن لمحمد معجزات

لقد ثبت لنا، ممّا تقدم من واقع القرآن وشهادة أئمة الإسلام في عصرنا، أنه لا معجزة في القرآن، سوى إِعجازه ﴿في حسن تأليفه وعجيب نظمه كما قال الباقلاني.

لكن، بسبب شعور القوم الفطري بأن المعجزة الحسية هي دليل النبوّة الأوحد، وأن القرآن وحده هو الخبر اليقين عن السيرة والدعوة، أخذوا يقبلون القرآن ويتدبرونه ليجدوا فيه معجزة. فوقعوا على بعض ﴿آيات متشابهات، فانكبّوا عليها يستدرجونها ليخرجوا منها معجزة تشهد بصحة النبوّة والدعوة. فوجدوا في القرآن مثل هذه المعجزات.

أولاً: ﴿أسطورة شق الصدر ١٧

جاء في مطلع سورة (الشرح): ﴿ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك (١ ـ ٤).

والمتبادر الى الذهن أن ﴿شرح الصدر تعبير مجازي يدل عليه ما بعده: فقد شرح النبي صدراً بوضع وزره عنه ورفع ذكره. فسّرها الجلالان: ﴿أي شرحنا لك يا محمد صدرك بالنبوّة وغيرها. فلا ذكر عندهما لمعجزة شق الصدر وتطهيره. وكأن التطهير من الوزر عمل مادي! والمعنى المجازي متواتر في القرآن: ﴿يشرح صدره للاسلام (الأنعام ١٢٥)، ﴿شرح بالكفر صدراً (النحل ١٠٦).

فسرها البيضاوي: ﴿ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق فكان غائباً حاضراً. أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل. أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك؟. فليس في هذا كله مجال لأسطورة شق الصدر. لكن البيضاوي يضيف: ﴿وقيل إنه اشارة إلى ما روي أن جبريل أتى رسول الله r في صباه، أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً. ولعله إشارة الى نحو ذلك. وهناك ضحى القاضي بعلمه ارضاءً لأهل الحديث من العامة: فهل العلم والإيمان أشياء توضع في القلب؟ وهل يقوم القلب مقام العقل؟ وكيف فاته قول القرآن بعد ذلك: ﴿ووجدك ضالاً فهدى (الضحى ٧).

لكن أصل القصّة عند المفسرين كان في تفسير الطبري بالحديث. فروى أن القصة وقعت لمحمد في سن الطفولة، أو في سنّ الكهولة نحو الأربعين وقبيل البعثة. وكيف فاته حديث سورة (الضحى ٦ ـ ٨) التي توجز فترة ما قبل البعثة بقولها: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى. فلو كان هناك من حادث جرى، أو معجزة وقعت لمحمد قبل البعثة لذكرها القرآن تسلية للنبي وتأييداً لدعوته.

والأسطورة ترويها السيرة على لسان مرضعه حليمة السعدية، أو على لسان ابنها تِرْب محمد في الرضاعة، أو على لسان محمد وكان عمره سنتين ونصف السنة. قالت حليمة: ﴿فخرجت أنا وأبوه فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه. فالتزمته والتزمه أبوه. فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءَني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لم أدرِ ما هو. فهل الاثم شيء محسوس؟ وهل يكون في البطن؟ وطفل دون الحلم هو غير مكلفّ ولا مسؤول عن وزر ينقض الظهر. وغسل الصدر أو البطن من وزر لا معنى له على الإطلاق ـ إلا أن يكون العماد ﴿النصراني المستور بهذه الروايات.

والاحاديث عن الأسطورة تختلف اختلافاً كثيراً. قال الأستاذ عبد الله السمان ١٨ : ﴿وحديث البخاري يقول: إن الحادث وقع ليلة المعراج. وابن حزم يعارض البخاري. وقيل: وهو ابن عشرين سنة، كما في حديث ابن حيان والحاكم. وقيل: حين كان مسترضعاً لدى حليمة، وأخوه من الرضاع، وسنّه لا تتعدى السنتين، هو الذي شهد الحادث ونقله الى أمه حليمة. والحافظ العراقي في (نظم السيرة) يقول: في عامه الرابع. فلا يدرون متى وقع له الحادث وفي أي زمان وفي أي مكان. واختلاف الاحاديث دليل تهافتها.

جاءَ في صحيح البخاري: ﴿بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان ـ وذكر بين الرجلين ـ فأُتيت بطست من ذهب مُلىء حكمة وإيماناً. فشُق من النحر الى مراق البطن ـ أي أسفله ـ ثم غسل البطن بماء زمزم ثم مُلىء حكمةً وإيماناً. لاحظ التهافت في التعبير نفسه: محمد ﴿بين النائم واليقظان، فهل الرؤيا حادث واقعي؟ وما معنى شهادة من هو غائب عن وعيه؟ وهل الحكمة والإيمان أشياء حسية يملأ بها طست من ذهب؟ فيا ليت البخاري أسقط هذا الحديث مع آلاف الأحاديث التي نرفضها.

يقول الأستاذ السمان: ﴿وقد اهتمت كتب السيرة بهذا الحادث دون التعقيب عليه. وما كان لمنطق سليم أن يقره أو يعترف به. ورغم اضطراب الروايات، لا يفوتنا أن هذه الأحاديث تتعلق بجانب غيبي ـ وهو الذي يمثله الملائكة ـ ولا يصح للتصديق بسوى الخبر المتواتر. ولا خبر متواتر في القصة.

لذلك يسميها الدكتور حسين هيكل: ﴿أسطورة شق الصدر لسبب أن محمداً لم يلجأ في اثبات الى ما لجأ اليه مَن سبقه من الخوارق.

ثانياً: الإسراء والمعراج

وجد بعضهم معجزة الإسراء في هذه الآية:

﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً .. من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا

الذي باركنا حوله لنُريه .. من آياتنا، إنه هو السميع البصير

ووجد هذا البعض معجزة المعراج في هذه الآيات:

﴿ولقد رآه نزلة أخرى .. عند سدرة المنتهى

عندها جنة المأوى .. إذ يغشى السدرة ما يغشى

ما زاغ البصر وما طغى .. لقد رأى من آيات ربه الكبرى

وعلى هاتين الإشارتين لفقوا، في الحديث والسيرة والتفسير، هذه القصة: ﴿بينما أنا في المسجد الحرام، في الحجر، عند البيت، بين النائم واليقظان أتاني جبريل بالبُراق ـ أو من الحَرَم وسماء المسجد الحرام لأنه كله مسجد، أو لأنه محيط به، لِمَا رُوي أنه كان نائماً في بيت أم هاني بعد صلاة العشاء (البيضاوي). وهند هي بنت عمه أبي طالبٍ. والبراق ﴿دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه (الجلالان)، ﴿وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله (السيرة لابن هشام ٢: ٣٨) ـ والكتاب وأسفار الأنبياء تجهلها. ﴿فقال جبريل: أيها النائم، قم. فانحنت الدابة، ولها أجنحة كأجنحة النسر، أمام رسول الله، فاعتلاها وانطلقت به انطلاق السهم، فوق جبال مكّة، ورمال الصحراء، متجهة الى الشمال (حسين هيكل، حياة محمد). ﴿فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء (الجلالان). ﴿وبيت المقدس مهبط الوحي، ومتعبّد الأنبياء، محفوف بالأنهار والأشجار ١٩ (البيضاوي). فصلى النبي بين الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى ٢٠ .

ثم أوتي بالمعراج فارتكز الى صخرة يعقوب، وعليه صعد محمد سِراعاً الى السماوات يقوده جبريل، وله ستماية جناح. فاجتاز السماء الأولى، وهي من فضّة خالصة، علّقت اليها النجوم بسلاسل من ذهب، وقد قام على كل منها ملاك يحرسها حتى لا تعرج الشياطين الى علو عليها، أو يستمع الجن الى أسرار السماء (حسين هيكل: حياة محمد). فرأى فيها رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيديهم قطع من نار كالأنهار، يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم (سيرة ابن هشام). ورأى في غيرها عزرائيل، ملاك الموت، بلغ من ضخامته أن كان ما بين عينيه مسيرة سبعين ألف يوم! وكان يسجل في كتاب ضخم أسماء مَن يولدون ومن يموتون! ورأى في أخرى ملاكاً ضخماً نصفه من نار ونصفه من ثلج. وفي السماء السابعة رأى ملاكاً أكبر من الأرض كلها، له سبعون ألف رأس، في كل رأس سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، كل لسان ينطق بسبعين ألف لغة، من كل لغة بسبعين ألف لهجة، فسار النبي ما بين خلق وخلق ما مسيرته بتلك السرعة خمسماية عام، حتى وصل الى حضرة القديم، فكان ما بينه وبين العرش  ﴿قاب قوسين أو أدنى. وذلك عند ﴿سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، واذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيّرت فما أحد من خلق الله يستطيع يصفها من حسنها. قال: فأوحى الله إليَّ ما أوحى (الجلالان). هناك ﴿رأى من آيات ربه الكبرى ـ ﴿فرأى من عجائب الملكوت رفرفاً أخضر سدَّ أفق السماء. حينئذ مدّ العلي القدير يداً على صدر محمد، والأخرى على كتفه دليل الرضى والقبول. وفرض الله على أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة. ورجع بها محمد حتى لقي موسى، فحذّره موسى وقال: ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك. فأخذ محمد يطوف بين الله وموسى، حتى خفف الله الفريضة الى خمس مرات في اليوم. أخيراً نزل محمد على المعراج الى الأرض، وامتطى البراق الى مكّة. ﴿رواه الشيخان. وروى الحاكم في (المستدرك) عن ابن عباس قال: قال رسول الله r رأيت ربي عزّ وجلّ (الجلالان).

١ ـ تلك هي قصة الإسراء والمعراج في الحديث والسيرة والتفسير. أصحيح إن النبي الصادق الأمين قد رواها؟ ظاهرها يدل عليها: إنها من الإسرائيليات التي تزخر بها كتب اليهود المنحولة.

نعرف أن الملاك روح لا جسد له، أو هو ﴿من نار كما يقول القرآن. فكيف يكون لعزرائيل رأس، ما بين العينين فيه مسيرة سبعين ألف يوم؟ وما هذا الملاك الذي نصفه من نار ونصفه من ثلج؟ وذاك الملاك الذي هو أضخم من الأرض كلها، وله سبعون ألف رأس، في كل رأس سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، وكل لسان ينطق بسبعين ألف لغة، ومن كل لغة بسبعين ألف لهجة؟! وما هو هذا البراق ﴿الدابة فوق الحمار ودون البغل، وله أجنحة كأجنحة النسر! ومحمد يربط البراق ﴿دابته بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء: ونعرف من التاريخ أنه لم يكن في زمن محمد لا هيكل ولا حلقة، بل أطلال على أطلال. وحديث الشيخين يضع عيسى في السماء الثانية مع يحيى ابن خالته، ويوسف في الثالثة، وادريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة وإبراهيم في السابعة. مع أن القرآن جمع ﴿إبراهيم وموسى وعيسى معاً (الشورى ١٣)، وميّز عيسى عن سائر الرسل بأنه ﴿كلمته ألقاها الى مريم وروح منه (النساء ١٧١) فهل يكون كلمة الله وروح الله أدنى من سائر الرسل، في السماء الثانية؟! وما هو هذا المعراج الحسّيّ كالسلّم يصل ما بين الأرض والسماء السابعة؟ وهل يعقل أن يفرض الله على أمة محمد خمسين صلاة في اليوم؟ واذا فرض الله فريضة فهل يراجعه العبد فيها؟ لقد استذوق القوم دسّ ﴿الإسرائيليات وأخذوا يتغنون بها!

ويا ليتهم اكتفوا بالإسراء النبوي الروحي الذي حصل لبعض المرسلين كبولس الرسول الذي ﴿أُسرى به الى السماء الثالثة، أبالجسد أم بدون جسد، لست أعلم، الله يعلم، ﴿قد أُسرى به الى الفردوس وسمع كلمات معجزة لا يحلّ لإنسان أن ينطق بها (كورنثوس الثانية ١٢: ١ ـ ٤). لكنهم ارادوا أن يستجمعوا لمحمد ما وزّعه الله على جميع الأنبياء: لقد شاهد ربه كما شاهده عيسى، وكلّم ربه كما كلّمه موسى، وصلّى مع الأنبياء وشهدوا له، كما صلى موسى وإيليا مع المسيح وشهدا له حين تجلّيه. وفاتهم تصريح القرآن: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ...!

٢ ـ أمّا الإسراء والمعراج بحسب القرآن فقد اختلفوا فيها اختلافاً كبيراً. قال الزمخشري عن الحادث نفسه: ﴿واختلفوا في وقت الإسراء. فقيل كان قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة. فما معنى المعجزة قبل البعثة؟ وكيف يكون أسمى الوحي في المعراج، ولم يبعث محمد بعد؟

﴿واختلف في أنه كان في اليقظة أم في المنام. فعن عائشة: ﴿والله ما فُقد جسده، ولكن عرّج بروحه. وعن معاوية أنه عرّج بروحه. وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها. وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك ـ وهذه الخلافات تثير الشبهات على الحادث نفسه.

وقال الأستاذ دروزة ٢١ في هل يصحّ اعتبار الإسراء كما وصفه القرآن معجزة: ﴿واذا ما دققنا في مدى آية الإسراء، وجدنا أن الإسراء النبوي الذي أشارت اليه الآية لم يكن جوابا على تحدٍّ، وانما كان حادثاً خاصاً بالنبي r ليريه من آياته. وأنه لم يدركه ولم يشعر به غيره. واستطعنا بالتالي أن نقول: إنه لا يدخل في مدى اصطلاح المعجزة، ولا يصح أن يُعدّ والحالة هذه ناقضاً للموقف السلبي العام. ونصل الى النتيجة نفسها إذا ما دققنا في مدى آيات (النجم ١٣ ـ ١٨) التي قال بعض المفسرين إنها تضمنت خبر المعراج النبوي. وهذا بغضّ النظر عما هناك من أقوال وروايات مختلفة في كيفية وظروف الحادثتين. حيث هناك روايات بأن كليهما رؤيا مناميّة، أو أنهما كانا في اليقظة والجسد والروح أو بالروح دون الجسد. أو بأن الإسراء كان باليقظة والجسد والروح، دون المعراج الذي كان مناماً أو كان بالروح. أو بأن حادث المعراج النبوي لم يقع، وانما الواقع الثابت هو حادث الإسراء، أو بأن الإسراء كان في وقت، والمعراج في وقت آخر، أو بأنهما كانا في ظرف واحد. وبأنهما وقعا في أوائل البعثة، وفي أواسطها، بل هناك قول بأنهما وقعا قبل البعثة بسنة.

إن الخلاف قائم في أساس الحادث وفهمه، فهو مشبوه، ولا تقوم معجزة على مشبوه. والقرآن لا يذكر المعراج، ولا يجعل الإسراء الليلي معجزة له.

٣ ـ وعندنا أن الدلائل القرآنية تنقض المعجزة في الحادث، وتنفي الحادث نفسه بمعناه الحسي.

النص يقول حرفياً: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا. فالتعبير ﴿أسرى ليلاً يدل على أنه ﴿رؤيا منامية، لا حادث تاريخي. والتعبير الآخر ﴿الى المسجد الاقصا ينقضه التاريخ العام، فجميع التواريخ تشهد بأنه لم يكن في بيت المقدس، على أيام محمد، مسجد أقصى غير كنائس النصارى. وما يسمى ﴿المسجد الاقصى بدأ بناءَه عبد الملك بن مروان. فإن هيكل سليمان، الى الغرب من الصخرة الشهيرة، كان قد هدمه الرومان في القرن الأول الميلادي، في حرب السبعين، ولم تقم له قائمة، حتى بناه بنو أمية. فإلى أي مسجد أُسري بمحمد؟ هل أسري به الى كنائس المسيحيين، ولم يكن في بيت المقدس حينئذ سواها، ليرى فيها ﴿من آيات ربه الكبرى؟

واذا كان للإسراء في الآية أساس لغوي، فليس في آيات (النجم ١٣ ـ ١٨) من أساس للمعراج على الإطلاق: فإنها تصف نزول القرآن على محمد في غار حرّاء، في ﴿ليلة مباركة، ﴿ليلة القَدْر، ﴿من شهر رمضان - فالقرآن كله ينقض قصة المعراج. ﴿تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين (الشعراء ١٩٢ ـ ١٩٣) بوسيط ووسط. فالتعابير الحرفية تنقض تعابير العروج والمعراج. وما توهموه فيها من عروج ومعراج تنقضه الآية في سورة الإسراء: ﴿أو ترقى في السماء: ولن نؤمن لرقيّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرأه! ـ قل: سبحان ربي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً (٩٣). فتحدّيهم له، واقراره بعجزه يقضيان قضاءً مبرماً على أسطورة المعراج، بصريح القرآن. والقرآن نفسه يشترك في تعجيز محمد عن أي فكرة عروج ومعراج: ﴿وإن كان كبر عليك اعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض، أو سلّماً في السماء، فتأتيهم بآية (الأنعام ٣٥) - فافعلْ: المعنى أنك لا تستطيع ذلك (الجلالان). قوله: ﴿سُلّماً في السماء هو تعريف حرفي بالمعراج، ونقض مبرم لحدوثه.

والقرآن نفسه يعتبر أن ﴿الإسراء كان ﴿رؤيا للفتنة والتخويف، مثل رؤيا شجرة الزقوم في قعر الجحيم: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن. ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً (الإسراء ٦٠). ففي السورة كلها ليس من رؤيا إلا ﴿أسرى ليلاً، فالاشارة في الآية (٦٠) تعود الى هذا الإسراء الذي تصفه السورة ﴿برؤيا منامية، فليست بحادث تاريخي. يزيد ذلك يقيناً مقابلتها مع رؤيا شجرة الزقوم في قعر الجحيم، وكلاهما رؤيا للتخويف، لا للتحقيق: ﴿ونخوّفهم. أبعد صريح القرآن، نجرؤ على إقامة الأساطير؟! وقوله ﴿رؤيا، ونخوّفهم يجعل تعبير ﴿أسرى بعبده ليلاً تعبيراً مجازياً، لا أمراً واقعيّاً.

وجُلّ ما يقال في آية الإسراء إنها ﴿رؤيا منامية كالرؤيا المنامية التي رآها في المدينة بدخوله الحرم: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق: لتدخلُنّ المسجد الحرام، إن شاء الله، آمنين محلقين روؤسكم ومقصرين، لا تخافون (الفتح ٢٧). فكلاهما رؤيا منام؟ لكن القرآن يصرّح بأن الله ﴿صدق رسوله الرؤيا بالحق أي بالواقع في دخوله مكّة. لكن القرآن لا يصرح أبداً بتحقيق رؤيا الإسراء، فظلّت طيف ليل.

وليس لتلك الرؤيا المنامية معنى المعجزة ولا معنى المكاشفة.

فلو كان لآية الإسراء معنى المعجزة لكان النبي أعطاها كمعجزة كلما تحدّوه بمعجزة، وطالما تحدّوه. والسورة نفسها تردّ على تحدّياتهم بمعجزة (٩٠ ـ ٩٣) بالاقرار بالعجز عن كل معجزة: ﴿قل: سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً (٩٣) والسورة نفسها تعلن منع المعجزة مبدئياً عن محمد: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (٥٩). فهذان المنع الرباني والعجز المحمدي عن كل معجزة برهان قاطع أن ليس في ﴿الإسراء من معجزة. فسورة الإسراء نفسها تنفي الإِعجاز في الحادث، والمعنى الحسّي فيه.

وليس في ﴿الإسراء أيضاً شيء من معنى المشاهدة أو المكاشفة، في قوله: ﴿لنريه من آياتنا (الإسراء ١)، ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى (النجم ١٨). فما رواه الحاكم في (المستدرك) عن ابن عباس: ﴿قال رسول الله r رأيتُ ربي عزّ وجلّ، فإن عائشة تكذّبه تكذيباً قاطعاً، باسم القرآن نفسه: ﴿مَن قال إن محمداً رأى ربه فقد كذب: ألا ترى إلى قوله: ولا تدركه الأبصار! والقرآن كله ﴿تنزيل من ﴿لوح محفوظ بواسطة جبريل: فهو تنزيل بوسيط ووسط، لا وحي مباشر، ولا تكليم، ولا كشف، ولا مشاهدة. فليس في رؤيا ﴿آياتنا (الإسراء ١) أو رؤيا ﴿آيات ربه الكبرى شيء من معنى المشاهدة أو المكاشفة في عالم الغيب، إنما تقصد آيات عالم الشهادة أي الكون والخلق، كما هو الأسلوب المتواتر في القرآن، ﴿أسلوب لفت النظر إلى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها على وجود الله وتوحيده، كما يقول دروزة ٢٢ ، أو كما يصرح القرآن نفسه: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (فُصّلت ٥٣). وأشد من ذلك وقعاً أن في السورة نفسها عتاباً لمحمد بأنه كاد يركن ﴿شيئاً قليلاً الى فتنة المشركين له عن الوحي (الإسراء ٧٣ - ٧٥)، والى فتنتهم له عن التوحيد الخالص (١١٠ - ١١١)، فهذا الواقع المزدوج المرير لا يتفق مع المشاهدة أو المكاشفة ﴿لآيات الله الكبرى في ذاته أو في ملكوته السماوي، ولا مع إسراء أو معراج!

هناك واقع قرآني لا يفطنون له: إن آية الإسراء نفسها لا تمتّ بصلة الى السورة، فهي لا تمتّ الى ما بعدها بصلة، حيث الآية التالية تبدأ قصة موسى. وروي الآية ذاته يختلف عن روي السورة كلها. واختلافهم في زمن حدوث ﴿الإسراء دليل على أن آيته ملصقة بالسورة. يؤيد ذلك أن آية الإسراء لا تمت أيضاً الى ما قبلها بصلة، لا في النسق الحالي (بعد سورة النحل)، ولا في ترتيب النزول (بعد سورة القصص). فآية الإسراء معلّقة بالسورة تعليقاً.

هل لنا أن نذهب الى أكثر من ذلك؟ سمعت من بعض شيوخ العلم أن الحجاج بن يوسف، عميل بني أمية، والذي تمّ آخر اصدار للقرآن على يده ـ وما أدراك ما الحجاج! ـ قد يكون هو الذي دسّ الإسراء على السورة، عند اصدار القرآن وإتلاف النسخ العثمانية، ليصرف حج أهل الشام الى بيت المقدس، عن مكّة المكرمة حيث كانت الفتنة تفتنهم عن بني أمية. وقد كانت السورة تسمى ﴿بني إسرائيل كما في الآية التي تستفتح قصص موسى (٢)، على ما نقل البخاري عن ابن مسعود: ﴿قال النبي r إن بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأوَل، وهن من تلادي ٢٣ . فصارت تسمى ﴿أسرى أو ﴿الإسراء. ونحن نقول: هذا تخريج قد يكون له دلائل، لكن ليست له أخبار ثابتة.

فمن الثابت، بالبراهين القرآنية التي قدمنا، أن ليس في آية الإسراء معجزة، ولا حادثٌ تاريخي. إنما ﴿الإسراء بنص الآية نفسها ﴿رؤيا منامية لم يحققها الواقع والتاريخ، كما حقق رؤيا دخول مكّة يوم الفتح الاعظم. ولا يقوم إِعجاز التنزيل ولا معجزته على ﴿رؤيا منامية. وجُلّ ما في القصة أنها تعبير مجازي لاتجاه محمد في دعوته الى ﴿بيت المقدس، مهبط الوحي، ومتعبّد الأنبياء.

ثالثاً: معجزة الغار

جاء في سورة (التوبة ـ براءَة) قوله: ﴿إلاّ تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين، إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله سكينته عليه، وأيّده بجنود لم تروها. وجعل كلمة الذين كفروا السفلى. وكلمة الله هي العليا. والله عزيز حكيم (٤٠). ففي الآية إشارة الى حادث اختفاء الرسول مع أبي بكر، في غار ﴿ثور، جبل الى الجنوب من مكّة، في طريق هجرتهما الى المدينة.

وفي سورة (الأنفال) فسر عناية الله بالنبي بقوله: ﴿واذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك. ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين (٣٠). فقد أنجى الله محمداً بعنايته الخاصة. وليس في الآيتين ذكر لمعجزات حسية جرت على فم الغار لحجب من فيه عن أعين المطاردين.

وقوله: ﴿أيده بجنود لم تروها يكفي لإبعاد كل معجزة حسية. لكن بعض أهل الحديث أتوا بجنود من الله محسوسة ملموسة: كنسيج العنكبوت على باب الغار، ونماء شجرة على فمه، وبيض الحمائم فيها. لكن السُنَن الصحاح لم يرد فيها ذكر لشيء من ذلك.

ونجاة محمد وصاحبه من المطاردة إنما كان لمهارة محمد وصاحبه أبي بكر في ذلك. جاءَ في السيرة لابن هشام: أن النبي يوم هجرته من مكّة أضجع عليّاً على فراشه ببردته ليوهم الناس انه لم يذهب. وأمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما اذا أمسى، في الغار، كما أمر ابنه عبد الله أن يستطلع لهما أخبار قريش، ثم يأتيهما اذا أمسى فيقص عليهما ما علم منها. فإذا غدا عبد الله من عندهما الى مكّة عفّى الراعي عامر بآثار الغنم على آثار عبد الله ابن أبي بكر. هكذا ﴿يمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين. وحماية الله لمحمد في الغار، ﴿بجنود لم تروها، ليس حادثاً مشهوداً يمكن التحدّي به كمعجزة، بنص القرآن القاطع.

وهنا تسعفنا السنن الصحيحة، وسيرة ابن هشام التي وضعت بعد مئتي عام من الحادث: فجميعها لا تذكر شيئاً من المعجزات الثلاث التي اختلقوها.

ولو أن القرآن نفسه علم في الأمر معجزة لنوّه بها كلما تحدوه بمعجزة، ولما سكت عنها الى آخر سورة (التوبة ـ براءَة ٤٠). وينسون على الدوام أن المعجزات منعت عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً (الإسراء ٥٩)، وامتنعت عليه امتناعاً واقعياً مطلقاً (الإسراء ٩٣).

لذلك يرى العلماء، ومنهم الأستاذ دروزة، أن ليس في حادث الغار من معجزة، انما هو عناية ربانية: ﴿والآية (براءَة ٤٠) تتضمن التنويه بالعناية الربانية بالنبي أولاً، وبما كان من رباطة جأشه في هذا الموقف العصيب ثانياً، ثم بما كان من أثر إفلاته، ونجاحه، والتحاقه بالمدينة، في قوة الإسلام وانتشاره وكبت أعدائه.

فليس في الحادث عنصر من أركان المعجزة: لا حادث مشهود، ولا معجز معهود، ولا تحدّ مقصود. إنما هي حاجة الأمة للخوارق لإثبات النبوّة بالمعجزة، لم يجدوها فخرقوها. والأساطير تحط من هيبة النبوّة، ولا ترفعها.

رابعاً: معجزة ﴿الرمي في بدر

نزلت سورة (الأنفال) في ملابسات غزوة بدر، التي كانت أول نصر في الإسلام. وجاء في وصفها:

﴿وإذا يعدكم الله احدى الطائفتين أنها لكم، وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم. ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (٧).

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم: أني أمدكم بألف من الملائكة مردفين: وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن قلوبكم. وما النصر إلا من عند الله … (٩ ـ ١٠).

إذا يغشيكم النعاس أمنة منه،

وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط قلوبكم ويثبت به الأقدام (١١).

إذ يوحي ربك الى الملائكة: إني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب. فاضربوا فوق الاعناق، واضربوا منهم كل بنان (١٢).

فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم! وما رميت، إذ رميت، ولكن الله رمى، وليُبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً: إن الله سميع عليم (١٧).

إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الامر (٤٣).

وإذ يريكموهم، إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. والى الله ترجع الأمور (٤٤).

في هذا الوصف القرآني لمعركة بدر رأى المفسرون الأقدمون في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت، لكن الله رمى معجزة. قال الجلالان: ﴿وما رميت يا محمد أعين القوم اذ رميت بالحصى، لأن كفّاً من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمته بشر (ولكن الله رمى) بإيصال ذلك اليهم، فعل ذلك ليقهر الكافرين.

وقال البيضاوي: ﴿روي أنه لما طلعت قريش من العَقَنْقل قال r : هذه قريش جاءَت بخيلائها وفخرها يكذّبون رسولك: اللّهم أني اسألك ما وعدتني. فأتاه جبريل وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فلما التقى الجمعان تناول كفّاً من الحصباء، فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه! فلم يبقَ مشرك إلاّ شُغل بعينه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم.

ثم لما أنصرافوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلتُ وأسرتُ! فنزلت: (وما رميت) يا محمد (إذ رميت) أتيت بصورة الرمي (ولكن الله رمى) أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها الى أعينهم جميعاً، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابراهم.

وقيل: معناه ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء، ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم.

وقيل: إنه نزل في طعنة طُعن بها أُبي بن خلف يوم أحد، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات. أو رمية سهم رماه يوم حنين نحو الحصن، فأصاب ابن أبي الحقيق على فراشه. والجمهور على الأول.

وأنت ترى اختلاف القوم أولاً بموضوع الرمي هل هو حصباء، أم طعنة سيف، أم رمية سهم، وثانياً في زمن الحادث، هل كان في بدر أم في أحد أم في خيبر، أم في حنين. وثالثاً هل كانت الحصباء التي رمى بها من الأرض أم من السماء؟ بعضهم قال: من الأرض، وبعضهم من السماء كما ﴿روى ابن جرير (الطبري) وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء الى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست. ورمى رسول الله r بتلك الحصباء فانهزمنا. فذلك قوله (وما رميت اذ رميت). وأخرج أبو الشيخ نحوه عن جابر وابن عباس. ولابن جرير من وجه آخر مرسلاً مثله (أسباب النّزول، للسيوطي). فترى تهافت التخريج والتفسير.

لكن ليس للحادث المعنى المعجز الذي يتوهمون: فرمي الحصباء في وجه العدو، مع الهتاف بالمعركة: ﴿شاهت الوجوه! هو اشارة الى الزحف والهجوم، على عادة القوم. فهجم المؤمنون وهم قلّة، على قريش وهم كثرة، فهزموهم شرّ هزيمة، لأنها كانت في نظر المسلمين مسألة حياة أو موت استبسلوا في سبيلها حتى الاستشهاد. فليس للحادث معنى المعجزة، وليس فيه عنصر من أركان المعجزة: فلا الحادث عمل معجز، ولا سبقه تحدٍّ ليكون له صفة المعجزة، والقرآن نفسه لم يَرَ في الحادث معجزة له. ففي السورة نفسها يتحدونه بمعجزة ﴿إذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء! أو أئتنا بعذاب أليم (٣٢). فلا يردّ عليهم القرآن بمعجزة، ولا يقدّم لهم معركة بدر، وحادث الرمي، كمعجزة. وفي نظر المشركين، لا معجزة ولا إِعجاز: ﴿واذا تتلى عليهم آياتنا قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا: إنْ هذا الا أساطير الأولين (الأنفال ٣١).

وفات القوم تحليل الوصف القرآني كله لمعركة بدر. إنه وصف صوفي يرى يد الله في أحداثها، وتدخّل الله وملائكته في وقائعها. وما قصة ﴿الرمي إلا إحدى هذه الرؤى الصوفية للمعركة:

إمدادهم ﴿بألف من الملائكة مردِفين أي مترادفين متتابعين يردف بعضهم بعضاً، وعدهم بها أولاً ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم خمسة كما في آل عمران (الجلالان). وهذا التفاوت في تحقيق عدد الملائكة دليل على الرؤيا الصوفية، لا على الرؤية الواقعية.

والنعاس الذي ﴿يغشاهم أَمَنَةً مما حصل لهم من الخوف قبل المعركة هو أيضاً عناية ربانية.

والمطر الذي ينزل عليهم فجأة ليستعيضوا به عن ماء بدر هو أيضاً تدخل رباني.

ثم وحي الله في أثناء المعركة للملائكة بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وأمر الله إلى ملائكته ليضربوا المشركين فوق الأعناق وكل بنان. وهذا هو الحديث الغيبي كأنه محسوس!

ثم رؤيا محمد للمشركين في المنام قليلاً كي لا يفشل قومه من كثرة عددهم!

ثم، في أثناء المعركة، يتدخل الله مع الجيش بالرؤيا ليُري المسلمين عدوهم قليلاً ويري المشركين عدوهم كثيراً ليتم القتال والنصر. فالرؤيا الغيبية تصبح شاملة.

في هذا الجو الحماسي من الرؤى الصوفية لأحداث المعركة، يجب أن نفهم مقالة الرمي: ﴿وما رميت، إذ رميت، ولكن الله رمى، مهما كان موضوع الرمي. فهي مثل قوله في الآية نفسها: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم! فهو رد على تفاخرهم بعد المعركة، حيث ﴿كان الرجل يقول: قتلت وأسرت! فقد قَتل مَن قَتل، لكن في حقيقة الأمر ﴿الى الله ترجع الأمور (٤٤). على ضوء هذا المبدأ فسّر القرآن أحداث المعركة ومعنى ﴿الرمي بالحصباء، وهو عمل مألوف إشارة الى الهجوم.

فليس في هذه الأحداث كلها المشهودة والغيبية من حادث معجز ـ والأحداث الغيبية المقرونة بالمشهودة برهان قاطع على أنها تحليل صوفي للمعركة.

فليس للرمي بالحصباء من معنى المعجزة شيء! ولا من أركان المعجزة شيء! فلم يأتِ الرمي جواباً على تحدّ بالمعجزة، وفي السورة عينها لما تحدّوه بمعجزة لم يردّ عليهم ﴿بمعجزة الرمي!

خامساً: معجزة انشقاق القمر

نختم هذا البحث بذكرهم معجزة انشقاق القمر. فقد رأى بعضهم في مطلع سورة (القمر) معجزة خارقة: ﴿اقتربت الساعة! وانشقّ القمر! وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر! (١ ـ ٢).

جاءَ الحديث فوثّق الخبر، فتداولته الكتب الصحاح. وصحيح البخاري يجعل المعجزة بناء على طلب الكفّار. ومُسند أحمد يذكر المعجزة لكن لا يشير الى طلب الكفّار لها، فهي عنده خالية من عنصر التحدّي. وأكثر الروايات تؤيد أحمد في مسنده.

وفي حديث البخاري أن أهل مكّة سألوا محمداً آية فانشق القمر بمكّة مرتين! إنما حرف الآية يقول: ﴿أتت الساعة وانشق القمر. فانشقاق القمر مرتبط بقدوم الساعة. وإن ﴿الساعة في لغة الكتاب، وفي لغة القرآن، كناية عن يوم الدين. وانشقاق القمر من أشراط الساعة. فليس هو حادث يجري في حياة الرسول، هذا بنص القرآن القاطع.

قال القرطبي في تفسيره: ﴿قال قوم: لم يقع انشقاق القمر بعد. وهو منتظر. أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر. وأن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماوردي: إن هذا قول الجمهور . وقال: لأنه اذا انشق ما بقي أحد إلاَّ رآه، لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: اقتربت الساعة، فإذا جاءَت انشق القمر بعد النفخة الثانية … وقيل: ﴿وانشق القمر أي وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضح. وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يُسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه.

ففي نظر المفسرين المدركين، تعبير ﴿انشق القمر إما حقيقي، وهو من أشراط الساعة في اليوم الآخر، وإما مجازي فليس فيه من حادث طبيعي.

وقال محمد عبد الله السمّان ٢٤ : ﴿ولو سلّمنا جدلاً بأن الانشقاق قد حدث، فهل من العقل والمنطق بألاّ ترى الدنيا بأسرها هذا الانشقاق! لأن القمر للدنيا كلها وليس لمكّة وحدها، إن هذا حدث ضخم، وليس بالأمر الهين اليسير. ولو حدث حقاً لكان على الأقلّ دونته كتب التاريخ المعاصر، وتغنى به الشعراء المعاصرون وما أكثرهم في جزيرة العرب يومئذٍ.

ونقول: لو حدث شيء من مثل ذلك، لآمن العرب من دون جهاد وقتال، ولعرفه الفرس والروم وآمنوا بالنبي العربي، من دون فتوحات وحروب!

لا يسعنا إذن أن نرى في الآية القرآنية، على نقيض حرفها ومعناها، حادثاً تاريخياً جرى على يد محمد معجزة له! فهذا يناقض علم الفلك، وارتباط عالمنا الشمسي بجاذبية واحدة، وارتباط هذه الجاذبية الشمسية بالجاذبية الكونية. ولنُفكِّر في ما يترتب على انشقاق القمر من أحداث وأخطار في مدار القمر كما في مدار الأرض، في الهواء كما في البحر، في النبات والحيوان والانسان.

إن انشقاق القمر شرط من اشراط الساعة: هذا كل ما في آية القرآن. ومن الظلم للقرآن والعقل والعلم أن ننسب للقرآن ما هو منه براء.

تلك نماذج خمسة من المعجزات التي يستنبطونها للنبوّة في القرآن، وتهافتها في ذاتها يقضي عليها قضاءً مبرماً. إنما هي الحماسة التي تدفع بالشعب ومَن يجاريه من العلماء بالحديث والتفسير، الى استنباط معجزات من ﴿آيات متشابهات في القرآن، لأنهم يشعرون بالفطرة، مثل أهل مكّة أنفسهم، أن المعجزة دليل النبوّة الأوحد، ﴿سُنّة الأنبياء الأولين، ﴿السلطان المبين من لدن الله، وأنه لا نبوّة بدون معجزة. فإذا لم يجدوها في القرآن خرقوها بالحديث والتفسير.

وصريح القرآن هو بمنع المعجزة عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً (الإسراء ٥٩)، وامتناع المعجزة عنه امتناعاً واقعياً مطلقاً (الإسراء ٩٣). لذلك وقف المعتزلة قديماً بوجه الحماسة الشعبية تجاه أهل الكتاب، وحماسة المحدثين والمفسرين، بإعلانهم: لم يجعل الله القرآن دليل النبوّة. وعلماء العصر في التفسير والسيرة، اضطروا إلى أن يعلنوا موقف القرآن السلبي من كل معجزة، وأن يصرّحوا مثل الأستاذ دروزة كما نقلنا: ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته.

أجل لم ﴿يذكر القرآن لمحمد معجزات على الإطلاق.

بحث رابع

التأييدات الربّانية للنصر في الحرب

﴿قلْ: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم

(السجدة ٢٩)

يعتبر بعضهم الفتوحات النبوية في الجهاد معجزات تدلّ على صحة النبوّة وصدق الدعوة، لقوله: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة (آل عمران ١٢٣)، ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (التوبة ٢٥)، ﴿إذا جاءَ نصر الله والفتح، فسبّح بحمد ربك (النصر ١ و٣).

أجل مَن يؤمن بالله الرحمان الرحيم يؤمن بعنايته بخلقه. وهذه العناية الإلهية تشمل البشر أفراداً وجماعات. وكل إنسان له نصيب من فضل الله ولطفه وعطفه. فكم بالأحرى ينَعم بتأييد الله من يدعو الى سبيل الله! فالدعاة لدين الله بصدق وإخلاص، يشملهم الله تعالى بفضل خاص يمكنهم من دعوة الناس الى الصراط المستقيم.

لذلك لا شك ان الله آتى محمداً فضلاً عظيماً: ﴿وكان فضل الله عليك عظيماً (النساء ١١٣)، كذلك ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً (الفتح ١). وهذا ما يسمونه ﴿التأييدات الربانية في السيرة والرسالة، ويرون فيها معجزات قرآنية للنبي.

إن تلك التأييدات الربانية، خصوصاً في الفتوحات النبوية، قائمة لا شك فيها. ولكن هل يصح، كما وهم بعضهم، أن نجعل منها معجزات خارقة لسنن الطبيعة والنعمة؟

والجميع يعلمون أن المعجزة أمر خارق للطبيعة، مقرون بالتحدّي، سالم عن المعارضة. فهل نجد هذه الاركان الثلاثة في الفتوحات النبوية ليصح اعتبارها معجزة؟

إن القرآن، بعد عجز النبي عن معجزة حسية طول العهد بمكّة، وبعد أن نسخ التحدّي بإِعجاز القرآن في المدينة (آل عمران ٧)، وجاء نصر الله في معركة بدر، أخذ يرى في الفتوحات النبوية آية له على صحة رسالته وصدق دعوته. لكن القرآن لا يعتبرها معجزات من دلائل النبوّة، كما سنرى.

أوّلاً: نصر الله في مواطن كثيرة

﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة. منها هذه المواطن الأربعة الكبرى.

          ١ ـ ﴿يوم الفرقان في معركة بدر (الأنفال ٤١).

يعتبر القرآن معركة بدر ﴿فرقاناً بين الإيمان والكفر. ففيه ظهر الإسلام الجديد على خصومه مشركي مكّة. فهل يعتبر ذلك النصر معجزة إلهية؟ وهل فيه شروط المعجزة؟

نقلنا قوله فيها في (سورة الأنفال). ورأينا أنه يعتبر مساعدة الملائكة، ومساعدة الطبيعة من نعاس ومطر قبل المعركة، وحنكة القائد يرمي الحباء لبدء القتال، من آيات التأييد الرباني. لكن هذا التأييد لا يتخذ صفة المعجزة: فليس العمل بخارق للعادة، قبل المعركة: ﴿وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون (٥)، ﴿يجادلونك في الحق، بعدما تبيّن، كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون (٦)، ويستغيثون ربهم من رعبهم (٩) ـ ليست هذه حال من يُقبل على مشاهدة معجزة. وليس من تحدٍّ بالمعركة لإثبات صحة الرسالة. وبعد المعركة نشبت بينهم الفتنة (٢٥) حتى حذرهم من الخيانة (٢٧) واختلفوا في مصير الأسرى (٦٧). واختلفوا في قسمة الغنائم (١ و٤١) وتنازعوا (٤٦). ولو كان في المعركة شيء خارق للعادة لما قال بعضهم: ﴿اذ يقول المنافقوق والذين في قلوبهم مرض: غرَّ هؤلاء دينهم! (٤٩).

واختلاف التفسير الصوفي لأحداث الغيب يمنع من رؤية معجزة فيها. ففي (الأنفال) يقول: ﴿إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم: أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (٩). لكن في (آل عمران) يقول، تعزية لهم عن خذلانهم في معركة أُحد: ﴿ولقد نصركم الله ببدر، وأنتم أذلة! فأتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ بلى، إن تصبروا وتتقوا ـ ويأتوكم من فورهم هذا ـ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوَّمين! (١٢٣ ـ ١٢٥). وفي الحالين يعتبر الإخبار بذلك ﴿بشرى للاطمئنان، لا معجزة للتحدّي (الأنفال ١٠ = آل عمران ١٢٦). اختلاف في رؤيا الغيب، واختلاف في رؤية المشهود: ﴿واذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً، ويقلّلكم في أعينهم، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً (الأنفال ٤٤). لكنه في (آل عمران) يقول: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة: يرونهم مِثْلَيْهم ٢٥ رأي العين. والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (١٣) ـ فهل كانت الآية في رؤية العدو﴿قليلاً، أم في رؤيته ﴿مِثْلَيْهم رأي (عبرة) العين؟ يتطور التفسير الصوفي مع تطور الأحوال، وليس في ذلك شيء من المعجزة.

ولو رأى القرآن نفسه في نصر بدر معجزة لتحدّى بها المشركين كلما أحرجوه بمعجزة. ولو رأى العرب فيها معجزة لما ظلّوا يحرجون النبي بمعجزة، بمثل هذا التحدّي الصارخ: ﴿واذ قالوا: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم (الأنفال ٣٢). ولو رأى المنافقون من المسلمين في بدرٍ معجزة لما قالوا: ﴿غَرَّ هؤلاء دينهم! (٤٩). ولو كان نصر بدر معجزة، لما تواعدوا على اللقاء في بدر الأخرى وفي أُحُد.

أجل لقد كان نصر بدر ﴿فرقاناً بين الحق والباطل، لكن هذا ﴿الفرقان لا يحمل شيئاً من معاني الحادث المعجز، ولا من أشراط المعجزة. نصر بدر بطولة، لا معجزة.

          ٢ ـ يوم ﴿الزلزال الشديد في غزوة الخندق

كانت غزوة المشركين للمدينة والرسول، في يوم الخندق، ذروة هجوم أهل الشرك، انتقل بعدها المسلمون الى الهجوم حتى فتح مكّة. لذلك رأى بعضهم أيضاً في معركة الخندق معجزة إلهية تؤيد الرسالة والدعوة. لكن ليس في الحادث شيء من أركان المعجزة، بل ﴿هناك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً (الأحزاب ١١). ولم يتم النصر بمعركة، بل تمَّ بفشل حصار المشركين للمدينة. لقد فوجىء المشركون، في زحفهم على المدينة، بالخندق الذي أشار بحفره سلمان الفارسي ﴿النصراني. ولا عهدة للعرب بمثلها. فوقفوا تجاهه جامدين.

وتم الفشل بهذين السببين: ﴿يا أيها الذين آمنوا، اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءَتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحاً، وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعلمون بصيراً (٩).

علق عليها الأستاذ السمّان ٢٦ : ﴿إن نزول الملائكة، في حدّ ذاته، لا يعتبر معجزة. لأن المعجزة أمر خارق للعادة يُجريه الله على يدي رسوله، وتراه العين للردّ على التحدّي، أو للدليل على أن رسالته حق. والملائكة لم يرها الكفّار حتى تكون آية عليهم، ولم يرها المسلمون حتى تكون تثبيتاً لإيمانهم. ولذلك أكد القرآن في الآية: (وأيدكم بجنود لم تروها).

﴿والريح التي أرسلها الله في يوم الخندق، من الحوادث العادية التي يمكن حدوثها في أية ساعة، وإن كان الله عزّ وجلّ جعلها في هذه المرة وسيلة لهزيمة الأعداء.

لكن السبب الأكبر، بعد حفر الخندق، في فشل الغزو كانت مهارة محمد في الايقاع بين الأحزاب، كما نقلته سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق. فلما جاءَه نُعيم بن مسعود مسلماً، أوصاه أن يكتم إسلامه وردّه إلى المشركين يوقع بينهم. وقال له: ﴿إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فقام نعيم الى يهود بني قريظة ثم الى قريش وغطفان فأخلف بينهم. وقد كانوا توافقوا على أن يطبقوا من داخل ومن خارج على المسلمين، ففشلت خطّتهم. وأفلح محمد في فصم عرى التحالف بين الأحزاب المجتمعة فتخاذلت وارتحلت. وكان شعار محمد في هذه الدبلوماسية: ﴿الحرب خدعة. وهذا حديث صحيح متواتر رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة. لكن الخدعة في الحرب ليست معجزة.

فليس في فشل الغزو حادث خارق للعادة، ولا سبق به التحدّي دليلاً على النبوّة، ولا هو سالم من المعارضة. كان براعة من محمد لا معجزة من الله. وقد يكون في الريح أو الجدري عناية إلهية ظرفية، لا معجزة للتحدي وإثبات النبوّة.

          ٣ ـ الفتح الأكبر، فتح مكّة، عاصمة الشرك العربي

بعد فتح  مكّة نزلت سورة (الحديد) بنشيد النصر، وجاء فيها: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصرُه ورسله بالغيب. إن الله قوي عزيز (٢٥).

لقد أخذ القرآن منذ نصر بدر يرى في ﴿الحديد أي السيف آيته الكبرى.

فهل في فتح مكّة حادث خارق للعادة، سبق به التحدّي، وهو سالم عن المعارضة، حتى يصح ما زعمه بعضهم أنه معجزة النبوّة والرسالة؟

قال محمد الغزالي ٢٦ : ﴿إن فتح مكّة جاءَ عقب ضربة خاطفة. ولقد أفلحت خطة المسلمين في تعمية الأخبار على قريش، حتى بوغتوا في عقر دارهم بعشرة آلاف محارب، فلم يجدوا مناصاً من الاستسلام، فما استطاعوا الجلاد، ولا استجلاب الأمداد. لكن زعماء مكّة كانوا قد أدركوا الخطر. فخرج العباس بن عبد المطلب، عمّ النبي، يريد الإسلام، وخرج زعيم مكّة أبو سفيان، ابن عمّ محمد، وعبد الله بن أبي أمية، ابن عمة محمد، يستدركان الأمور. فاستعرض أبو سفيان معسكر المسلمين فوجد أن لا طاقة لهم بحرب الرسول، فاستسلم وأسلم. واجتمع بالعباس فقال له: ﴿والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوّة! قال: فنعم إذن! فأبو سفيان يرى في المشهد ملْكاً لا نبوءة. وسألوا محمداً الأمان لقريش، فقال رسول الله، كما في حديث صحيح: ﴿مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن! ومَن دخل المسجد فهو آمن! ومَن أغلق عليه بابه فهو آمن! فذهب أبو سفيان، قبل دخول الجيش مكّة، ينادي فيها: يا معشر قريش، هذا محمد جاءَكم بما لا قِبَل لكم به! فتخاذل القوم. ثم أخذ أبو سفيان يصيح بالناس: ﴿من دخل دار أبي سفيان فهو آمن! ومن دخل المسجد فهو آمن! ومن أغلق عليه بابه فهو آمن! ـ فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. فدخل جيش المسلمين مكّة آمنين مطمئنين، بدون حرب. إن فتح مكّة كان كثرة جيش، وبراعة مناروة، وتخاذل قادة أمام حرب أهلية، وعبقرية عسكرية من محمد، لا معجزة من الله.

هذا هو الواقع التاريخي. فليس الحادث في نفسه معجزاً. لكنه كان في معناه عظيماً: إنه الفتح الأكبر الذي فتح الحجاز والجزيرة للدين الجديد. فليس في هذا الفتح الأكبر شيء من أركان المعجزة: فلا الحادث في ظروفه خارق للعادة، ولا تحدّى به النبي دليلاً على نبوته، ولا هو سالم عن المعارضة في تاريخ الفتوحات. وكلام الزعماء المسلمين الجدُد في هزيمة حنين يدل على أنهم لم يروا في فتح مكّة معجزة.

          ٤ ـ معركة حنين

وصفها القرآن بقوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، يوم حُنين، إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغنِ عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت. ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذَّب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين (التوبة ـ براءَة ٢٥ ـ ٢٦).

تجمعت قبائل غطفان من الاعراب، وقبيلة ثقيف من الطائف، للذود عن نفسها في وجه ملْك النبوّة الزاحف. واجتمعوا في وادي حنين، يستقبلون جيشاً يفوقهم عدداً وعدة. ذلك أن المسلمين بلغوا اثني عشر ألفاً، بمن انضم إليهم من أهل مكّة.

فلما توغلت المقدمة في الوادي أمطرهم المحاصرون على جنباتة وابلاً من السهام. فارتاع المسلمون وولوا الأدبار. وركبت الإبل بعضها بعضاً وهي مولية بأصحابها تطاردها خيل ثقيف وهو ازن.

حينئذ انفجر ما في القلوب. فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! وقال كلدة بن الجنيد: ألا بطل السحر اليوم! فأجابه صفوان بن أمية: صه، فضَّ الله فاك، فوالله لئن يربّني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربّني رجل من هوزان. فالقصة في نظرهم دولة لا نبوّة.

في هذه اللحظة التي فيها يتقرر المصير، صعد محمد شرفاً يحف به بعض المهاجرين وبعض أهل بيته وصاح: ﴿هلموا إليَّ! أنا رسول الله! أنا محمد بن عبد الله!.

ثم أمر العباس أن ينادي بصوته الجهير: يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، فأدركه بعض الأبطال يشقّ الموج المتلاطم، وقد اختلط القوم وساد الهرج والمرج في قعر الوادي.

ووسط هذه الفوضى أنقذ محمد ومن حوله الموقف. فارتدّ المسلمون على المشركين وقد صاروا جمعياً في وسط الوادي، فهزموهم شرّ هزيمة.

وجاء وقت اقتسام الغنائم الكثيرة. فأجزل محمد العطاء لزعماء مكّة لتأليفهم، فسمّوا ﴿المؤلفة قلوبهم وخمس الرسول وزعه على الأعراب. فارتاحوا الى الإسلام ومكاسبه.

إنه لموقف بطولي في الشجاعة والكرم! ولكن هل فيه معجزة؟

قال الجلالان: ﴿أعجبتكم كثرتكم: كانوا أثني عشر ألفاً، والكفّار أربعة آلاف. فانهزم المسلمون أولاً، وثبت النبي r على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس وأبي سفيان. فرُدّوا الى النبي لما نداهم العباس بإذنه. موقف بطولي لكن ليس فيه من خارق المعجزات شيء.

قال البيضاوي: ﴿وأنزل جنوداً لم تروها ـ بأعينكم، أي الملائكة، وكانوا خمسة آلاف، أو ثمانية، أو ستة عشر، على اختلاف الأقوال. هذا أمر غيبي غير مشهود، فلا يصح التحدّي به. وليس الملائكة بحاجة الى مثل هذا العدد الموهوم للقضاء على بشر!

فالنبي، مثل كل مؤمن ينظر الى الأمور نظرة صوفية، يردّ كل شيء في سيرته الى الله. وهذه المواقف البطولية يرى فيها يد الله، ولكن ليس في النص القرآني، ولا في الواقع التاريخي، من ركن من أركان المعجزة.

والقول الفصل في معنى التأييد الرباني للنبي في تلك المواطن الكبرى من الجهاد والقتال هو نظر القرآن المتواتر فيها: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها (الأحزاب ٩)، ﴿وأنزل جنوداً لم تروها (التوبة ٢٦)، ﴿وأيده بجنود لم تروها (التوبة ٤٠). إن تأييد الله لمحمد كان ﴿بجنود لم تروها. فهذا التواتر في التعبير يدل على رؤية صوفية ﴿للتأييدات الربانية في سيرته وجهاده، لا إلى معجزة مشهودة تحدّى بها فوقعت كما تحدّى بها. لذلك ليس في النصر بمواطن كثيرة من شروط المعجزة، ولا من معناها، شيء. فنص القرآن القاطع ﴿لم تروها يقطع عليها سبيل المعجزة.

          ثانياً: فلسفة القرآن في الجهاد والنصر والفتح

وهكذا فالنصوص القرآنية في البطولات الجهادية، حيث ﴿نصرهم الله في مواطن كثيرة، تشهد من ذاتها أنه لا معجزة فيها تحدى بها النبي للبرهان على صحة رسالته وصدق دعوته.

١ ـ لكن ميل القرآن إلى إسناد كل عمل إلى الله، وهو المصدر والمعاد، حمل بعض القوم الى رؤية معجزات في موقف البطولات. وفلسفة القرآن في الجهاد والنصر والفتح تشابهت عليهم. فالقرآن نفسه أخذ نصر بدر، بعد عجز محمد عن كل معجزة حسية، وبعد نسخ إِعجاز القرآن كمعجزة (آل عمران ٧) يعتبر آية ﴿الحديد أي السيف (الحديد ٢٥) آيته الكبرى في رسالته.

لكن ﴿من الجدير بالتنبيه أن آيات وقائع الجهاد النبوي قد نزلت بعد الوقائع، ممّا يسوغ القول: إن الوقائع قد كانت بأمر النبي r ورأيه، وبدون وحي قرآني كما هو شأن أكثر احداث السيرة النبوية ٢٨ . وهذا يُخرج وقائع الجهاد من شروط المعجزة: التحدّي بها قبل وقوعها.

كانت الدعوة بمكّة، على طريقة الأنبياء الأولين، ﴿بالحكمة والموعظة الحسنة، فصارت الدعوة بالمدينة عسكرية بالجهاد. وتشريع الجهاد مع المبدأ: ﴿لا اكراه في الدين لا ينسجمان. لنا على ذلك اسلام أهل مكّة أنفسهم: فلم يسلموا إلا بالفتح العسكري. لكن بعد ذلك صح إسلامهم وفتحوا الدنيا للإسلام.

٢ ـ وفلسفة الجهاد في القرآن، لا تسمح أن نرى فيه معجزة.

يقول: ﴿كُتب عليكم القتال، وهو كره لكم! وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون (البقرة ٢١٦). فكانوا يكرهون قتال قومهم.

ويقول: ﴿فلمّا كتب عليهم القتال، إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله، أو أشد خشية! وقالوا: ربنا، لِمَ كتبتَ علينا القتال؟ لولا أخّرتنا إلى أجل قريب؟ (النساء ٧٧). فلو كان في الجهاد معجزة إلهية لمَا خشى بعضهم الناس كخشية الله أو أشد خشية!

ويقول ويكرر: ﴿والفتنة أشد من القتل (البقرة ١٩١ و٢١٧)، ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله (البقرة ١٩٣). إن اتقاء الفتنة في الدين يكون بالإيمان لا بالقتال.

بدأ العهد في المدينة بقوله: ﴿لا اكراه في الدين (البقرة ٢٥٦)، وختمه بعد الفتح مكّة بقوله: ﴿براءَة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين... فإذا انسلخ الأشهر الحرام، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم... (التوبة ـ براءَة ١ ـ ٢ و٥). فلم يشرع الجهاد للدفاع فقط، بل للهجوم أيضاً وفرض الدين، حتى التبرئة من كل عهد مع المشركين.

فقد فرض القتال ليظهر الإسلام على الدين كله: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً (الفتح ٢٨)، ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون (الصف ٩، التوبة ٣٣). يتم هذا الاظهار بالجهاد والفتح، مع الدعوة بالقرآن. هذه هي فلسفة الجهاد في القرآن: فهل فيها معجزة إلهية؟

٣ ـ ثم يقرن فلسفة الجهاد بفلسفة النصر والفتح: ﴿يا أيها الذين آمنوا، هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم... يغفرْ لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن. ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله، وفتح قريب. وبشر المؤمنين (الصف ١٠ ـ ١٣). الجهاد يفتح السماء، ويفتح الأرض، مع غنائم في الدارين. هذه هي البُشرى للمؤمنين. فالغنائم كانت هدفاً من أهداف الجهاد، وتجارة دينية رابحة.

ويقول: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة: فاتقوا الله لعلكم تشكرون (آل عمران ١٢٣). فالنصر من الله يرفع الذل عن المسلمين، ويوجب ﴿الرضاء عليهم بقسمة الغنائم، أو بتعبير أدق بفرز الخمس منها لله والرسول ٢٩ ، ﴿وإن الآيات تلهم أن الخلاف في صدد لغنائم، إنما كان على فرز الخمس أكثر منه على طريقة التوزيع ومقداره، لأن الكلام فيها مصبوب على ذلك، وأكثر ما جاء في صدد نصر الله وتأييده قد استهدف تشريع الخمس وايجاب قبوله والرضاء به. ويظل الفيء كله ـ أي ما استحوذوا عليه بدون قتال ـ للرسول وحده.

ويقول: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (التوبة ٢٥). لكن نصر الله لهم مقرون بنصرهم لله: ﴿إن تنصروا الله ينصرْكم (٤٧: ٧)، ﴿ولينصرن الله مَن ينصره (٢٢: ٤٠)، ﴿وليعلم الله من ينصره (٥٧: ٢٥).

والفتح مقرون بمغفرة ذنوب النبي: ﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (الفتح ١ ـ ٢). مهما كان الذنب المتقدم والذنب المتأخر، فإن الغفران منه مقرون بالفتح: فهل في الفتح من ذنب يقتضي الغفران؟

وفي (أسباب نزول) آية التوبة: ﴿ومنهم من يقول: ائذنْ لي ولا تفتنّي (٤٩) نقل السيوطي: ﴿أخرج الطبراني عن ابن عباس أن النبي r قال: أغزوا تغنموا بنات الأصفر! فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء! فنزلت.

وآخر ما نزل من القرآن على قول بعضهم سورة النصر: ﴿إذا جاءَ نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك، واستغفره، إنه كان تواباً. نفهم الأمر بالتسبيح لله إذا جاءَ نصر الله والفتح؛ لكن لا نفهم الأمر بالاستغفار بعد نصر الله والفتح؟ وهذا الأمر بالاستغفار، بعد النصر والفتح، في آخر القرآن، يجعل آية الحديد والسيف مشبوهة. فليس في فلسفة الجهاد والنصر والفتح من معجزة إلهية: ﴿قل: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم (السجدة ٢٩).

أجل إن الفتوحات النبوية كانت بطولات: لكن ﴿التأييدات الربانية فيها لم تكن معجزات.

والمبدأ القرآني القاطع أن المعجزات منعت عن محمد منعاً مبدئياً وواقعياً، يمنع أن نرى في إشارة القرآن إلى تلك ﴿التأييدات الربانية معجزة. قال الأستاذ دروزة(٣): ﴿أما التأييدات الربانية للنبي r والمسلمين التي تضمنت أخبارها آيات قرآنية عِدّة، مثل آيات سورة الأنفال (٩ ـ ١٣) ومثل الذي جاء في سورة الأحزاب (٩) فإنها، كما هو ظاهر من نصوصها وروحها، لا تدخل في عداد معجزات التحدّي. وبالتالي فإنها ليس من شأنها نقض الموقف السلبي العام الذي تمثله الآيات القرآنية.

فليس في الوقائع الجهادية، ولا في ﴿التأييدات الربانية للنصر في الحرب، من معجزة أُعطيت برهاناً على صحة النبوّة والدعوة. والواقع القرآني المتواتر أن السور التي تذكرها نزلت بعد الوقائع الجهادية، فارتفعت بذلك صفة التحدّي بالمعجزة.

إن الجهاد آية محمد، وفيه تأييد ربّاني، لكن ليس فيه معجزة من الله تشهد للنبوّة.

بحث خامس

الآيات البيّنات التي يذكرها القرآن

لقد ثبت لنا أنه ليس في القرآن، أي في السيرة والدعوة، من معجزة حسية، ﴿ومن المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح ٣٠ على ادعاء معجزة لمحمد.

أمام هذا الواقع القرآني المذهل ـ والمعجزة دليل النبوّة الأوحد ـ يتساءل بعضهم: كيف ينكرون على القرآن ونبيه المعجزات، وهو الذي يصرّح بتواتر: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات (البقرة ٩٩). ويردّد ذلك في كل سورة (البقرة ١١٨ و١٥١، الأنعام ٤ و٥ و٢٥ و٤٩ و٥٥، الأعراف ١٨٢، يونس ١٥ و٢٠، الأنبياء ٣٧، الأنفال ٣١، الحج ٧٢ .. الخ).

أجل يردّد القرآن أن محمداً أُوتي ﴿آيات بيّنات، لكنها آيات قرآنية خطابية، لا معجزات حسية كالأنبياء الأولين.

ففي القرآن، أن تعبير ﴿آية، ﴿آيات هو من كلماته المتشابهة (آل عمران ٧). فهو يأخذ تعبير ﴿آيات بمعانٍ ثلاثة:

المعنى الأول عبارة عن أقوال الكتاب والقرآن.

المعنى الثاني عبارة عن خوارق الكون وعجائب المخلوقات.

المعنى الثالث عبارة عن المعجزات الحسية. وهي ﴿الآيات المعجزات حصراً.

ويظهر المعنى المقصود من القرائن اللفظية والمعنوية القريبة والبعيدة. والقرآن كله شاهد عدل على أن ﴿الآيات البيّنات التي ينسبها القرآن لنفسه ولنبيه هي آيات خطابية لا معجزات حسية، بسبب موقفه السلبي العام من كل معجزة، وبسبب تصريحه القاطع أن المعجزات منعت عن محمد منعاً مطلقاً: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (الإسراء ٥٩).

ففي سورة (البقرة) يأتي التعبير ﴿آيات بيّنات بالمعاني الثلاثة. فهو قد يعني خوارق الطبيعة: ﴿إن في خلق السموات والأرض... لآيات لقوم يعقلون (١٦٤). وقد يعني التعبير عند إسناده لموسى وعيسى معنى المعجزات: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبيّنات (٩٢) أي ﴿المعجزات كالعصا واليد وفلق البحر (الجلالان)، وهو مثل قوله: ﴿سلْ بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بيّنة (٢١١). كذلك بالنسبة إلى عيسى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات، وأيدناه بروح القدس (٨٧ و٢٥٣). لكن إذ ينسب ﴿الآيات إلى محمد، فالقرآن يشير الى أنها آيات خطابية، كما في هذا الجدول: (في شرعة الطلاق) ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً، واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (٢٣١)، ﴿وقال الذين لا يعلمون (المشركون): لولا يكلمنا الله ـ أو تآتينا آية (معجزة)؟ ـ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم: قد بيّنا الآيات لقوم يؤمنون، إنّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً (١١٨ ـ ١١٩): ففي التحدّي وفي الجواب يظهر معنيان لكلمة ﴿آيات، فهم يتحدّونه بمعجزات، فيجيب ببيان آيات الحق بشيراً ونذيراً. ورسالة محمد كلها تظهر في قوله: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (١٥١). فالآيات البيّنات عند محمد تعليمية، لا معجزات عملية حسية.

كذلك في سورة (آل عمران) نجد المعاني الثلاثة لتعبير ﴿الآيات. إنها خوارق الطبيعة: ﴿إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠). إنها معجزات الأنبياء الأولين: ﴿قال (زكريا): ربّ اجعلْ لي آية! ـ قال: آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاثة أيام إلاّ رمزاً! (٤١)، والآية، أو الآيات هي معجزات عيسى: ﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير... (٤٩). لكن بالنسبة إلى محمد فآياته خطابية: ﴿منه (القرآن) آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات (٧)، ﴿قد بيّنا لكم الآيات (١١٨)، ﴿وكيف تكفرون وأنتم تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله... (١٠١)، ورهبان عيسى ﴿يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (١١٣). وحملته المتواصلة على الذين ﴿كفروا بآيات الله (٤): ﴿مَن يكفر بآيات الله (١٩)، ﴿يكفرون بآيات الله (٢١ و١١٢)، ﴿تكفرون بآيات الله (٧٠ و٩٨)، ﴿لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً (١٩٩)، هي حملة على الكافرين بآيات خطابية، لا بآيات المعجزات الحسية.

كذلك في سورة (الأنعام) نجد المعاني الثلاثة: فالآيات هي عجائب المخلوقات: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض... وما تأتيهم من آية من ربهم إلا كانوا عنها معرضين (١ - ٤)، ﴿إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت... وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها... وهو الذي أنزل من السماء ماء... إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (٩٥ - ٩٩). . والآيات هي أيضاً المعجزات التي يتحدّون محمد بها: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك ـ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها (١٥٨)، فيعجز عنها. ﴿وإن كان كبر عليك أعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، فتأتيهم بآية! (٣٥) بسبب ﴿إنما الآيات عند الله (١٠٩). لكن بالنسبة إلى محمد فالآيات البيّنات هي خطابية: ﴿كذلك نصرِّف الآيات (١٠٥)، فهو من الذين ﴿يقصون عليكم آياتي (١٣٠)، فانظر ﴿كيف نصرف الآيات (٤٦ و٦٥). ويحمل على الذين ﴿يخوضون في آياتنا (٦٨)، ﴿يصدفون عن آياتنا (١٥٧)، ﴿كذبوا بآياتنا (٣٩)، ﴿والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب (٤٩)، يتبعون ﴿أهواء الذين كذبوا بآياتنا (١٥٠)، ﴿عن آياته تستكبرون (٩٣). لا معجزة عند محمد، بل دعوة، لذلك ﴿إذا جاءَتهم آية (خطابية) قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله (١٢٤).

كذلك في سورة (الأعراف) نجد المعاني الثلاثة. يذكر عجائب المخلوقات ويختم بقوله: ﴿كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (٥٤ ـ ٥٨)، ويذكر عناية الله بآدم ويقول: ﴿ذلك من آيات الله (٢٦). وبالنسبة إلى الأنبياء الأولين يأتي تعبير ﴿الآيات بمعنى أقوال الله: ﴿يا بني آدم ما يأتينّكم رسل منكم يقصّون عليكم آياتي، فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٣٥ - ٣٦)، وبمعنى معجزات الأنبياء: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين (١٣٣)، ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه (١٠٣). وبيّناته آياته (١٠٥ ـ ١٠٦). وسحرة مصر بعد معجزات موسى يخاطبون فرعون: ﴿وما تنقم منا إلاّ أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا (١٢٦). لكن بالنسبة إلى محمد ﴿فالآيات التي يتحدونه بها هي معجزات: ﴿وإذا لم تأتهم بآية، قالوا: لولا اجتبيتها (٢٠٣). فيجيبهم بآيات الأقوال، كالقصص: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء (٤٠)، ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون... أوَ لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنّة، إنْ هو إلا نذير مبين (١٨٢ ـ ١٨٤)، ويردّ على التحدّي بمعجزة (٢٠٣) بهذا القرآن: ﴿قلْ: إنما أتبع ما يُوحي إليًّ من ربي: هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (٢٠٣). فمعجزات محمد آيات أقوال، لا آيات أعمال خارقة العادة.

كذلك في سورة (يونس) ترد كلمة ﴿الآيات بمعناها الثلاثي. إنها خوارق الكون: ﴿إن في اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السماوات والأرض، لآيات لقوم يتّقون (٦). ويفصّل آيات الخليقة ويختم بقوله: ﴿يفصّل الآيات لقوم يعلمون (٥). وإنها أقوال ﴿الكتاب الحكيم (١) والقرآن الكريم: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات، قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائتِ بقرآن غير هذا، أو بدّلْه... قل لو شاء الله ما تلوته عليكم (١٥ ـ ١٦). فليس عند محمد سوى أقوال الكتاب والقرآن، لذلك يتحدونه بمعجزة حسية: ﴿ويقولون: لولا أُنزل عليه آية من ربه! ـ فقلْ: إنما الغيب لله! فانتظروا أني معكم من المنتظرين (٢٠). ويحمل على الذين ﴿عن آياتنا غافلون (٧) الذين ﴿لهم مكر في آياتنا (٢١)، وعند قصص القرآن هم ﴿عن آياتنا لغافلون (٩٢). فتجد دائماً تعبيراً متشابهاً، وموقفاً سلبياً من المعجزة، واحداً.

كذلك في سورة (الإسراء) تظهر كلمة ﴿الآيات بمعناها الثلاثي: إنها عجائب الله في كونه: أسرى بعبده ﴿لنريه من آياتنا (١)، ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين: فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة (١٢). وإنها عند الأنبياء الأولين المعجزات الحسية دليل النبوّة: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات (١٠١). فالأنبياء الأولون يجمعون الى الأقوال المعجزة أعمالهم المعجزة. لكن عند محمد ليست ﴿الآيات البيّنات سوى أقوال بيانية، وذلك لأن المعجزات منعت عنه منعاً مبدئياً مطلقاً: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (٥٩). ولو كذبوا بها، فقد كانت براهين الله على صحة نبوتهم. وتحدّوا محمداً بمثلها، ﴿وقالوا لن نؤمن بك حتى...، فعجز وأقرّ بالعجز: ﴿قلْ: سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً (٩٠ ـ ٩٣).

وفي سورة (العنكبوت) يتحدّونه بمعجزة: ﴿وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه! (٥٠)، فيعجز عن التحدّي، ويقدم آيات القرآن: ﴿قل: إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين! أوَ لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم؟ (٥٠ ـ ٥١)، فيكفر بها المشركون: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون! (٤٧)، ويسعى في ابطالها اليهود، ﴿إذاً لارتاب بها المبطلون (٤٨)، ولا يقبل بها إلا النصارى أولي العلم، من دون اليهود الظالمين: ﴿بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (٤٩). فحتى آخر العهد بمكّة ليس عند محمد من آية سوى القرآن: ﴿أوَ لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم! (٥١).

وفي سورة (الرعد)، إن ﴿الآيات البيّنات هي عجائب المخلوقات، فالله ﴿يدبر الأمر، يفصّل الآيات (٢) في كونه العجيب: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٣)، ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٤). وهي أيضاً المعجزات التي يتحدونه بها: ﴿ويقول الذين كفروا: لولا أُنزل عليه آية من ربه (٧ و٢٧)، ويعددون له منها: ﴿ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال، أو قُطعت به الأرض! أو كُلم به الموتى! فيجيب جواب العجز واليأس: ﴿بل لله الأمر جميعاً! أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً! (٣١). تجاه هذا العجز المشهود المعهود، ﴿يقول الذين كفروا: لست مرسلاً! ـ قل كفى بالله شهيداً بيني  وبينكم، ومن عنده علم الكتاب (٤٣). إن شهادة النصارى أولي العلم له مشبوهة عندهم لأن دعوته من دعوتهم، وشهادة الله لأنبيائه هي المعجزة، وليس عند محمد من معجزة!

وفي سورة (الحج)، ﴿الآيات البيّنات ليست المعجزات، بل آيات القرآن: ﴿وكذلك أنزلناه آيات بيّنات، وإن الله يهدي من يريد (١٦)، فلا يقبلونها كمعجزة: ﴿وإذا تُتلى عليهم آياتنا بيّنات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر (٧٢)، ﴿سعوا في آياتنا معاجزين (٥١)، لأنها أقوال بيانية، لا معجزات حسية يطلبونها منه فمثل الأنبياء الأولين.

وظلّ حتى النهاية لا يعطي في ﴿الآيات البيّنات سوى أقوال بيانية لا معجزات عملية كالأنبياء الأولين: فالمشركون ﴿اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله (التوبة ٩)، ﴿ويحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم! - قل: استهزئوا، إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولُنَّ: إنا كنا نخوض ونلعب! ـ قل: أباللهِ وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ (التوبة ٦٤ ـ ٦٥).

وهكذا فأهل مكّة والمدينة والعرب أجمعين لم يروا في ﴿الآيات البيّنات في القرآن سوى أقوال خطابية من سحر البيان، لا أعمالاً معجزة كالأنبياء الأولين.

والقرآن نفسه لا يعطي ﴿آياته البيّنات كمعجزات حسية، بل ﴿تنزيل الكتاب. لكن تواتر المعاني الثلاثة في تعبير ﴿الآيات البيّنات هو الذي القى عليها شبهة المعجزات.

قبل سورة (آل عمران) قد يُفهم التشابه في التعبير القرآني. لكن بعد أن صرّح أن في القرآن آيات ﴿متشابهات (آل عمران ٧)، ما كان له أن يُبقي على التشابه في معنى ﴿الآيات البيّنات.

وهذا التشابه المتواتر في القرآن كله لمعنى ﴿الآيات البيّنات، هو الذي جعل بعضهم يشتبه بين المعجزة وبين الخطابة والبيان. لكن، ليس في ﴿الآيات البيّنات التي ينسبها القرآن إلى نفسه أو إلى نبيّه، من معجزات حسية كالأنبياء الأولين. إنما هي أقوال في الهدى والبيان. وما كان لمحمد أن يأتيهم بمعجزة كالأنبياء الأولين، فإن المعجزات قد منعت عنه منعاً مبدئياً قاطعاً (الإسراء ٥٩). وقد أقر القرآن نفسه بتعجيز محمد وعجزه عن كل معجزة (الأنعام ٣٥).

بحث سادس

موقف القرآن السلبي من المعجزة، وفلسفته عند أهل عصرنا

            لقد ثبت ثبوتاً قاطعاً للعلماء المسلمين موقف القرآن السلبي من كل معجزة تشهد له. وثبت أيضاً أن ما ورد في الحديث والسيرة من معجزات لمحمد ينقضه صريح القرآن نقضاً مبرماً، وأن ما رأوا من معجزات في الجهاد كان بطولات لا معجزات، وأن ما ذكره القرآن من ﴿آيات بيّنات فيه هي آيات خطابية، لا أعمال معجزة. فمن يرى في ذلك معجزة يكذب على النبي، والقرآن يكذّبه.

وبرز لعلماء عصرنا المشكل الضخم، ما بين ضرورة المعجزة لصحة النبوّة، وبين موقف القرآن السلبي من كل معجزة له. فكان لا بدّ لهم من فلسفة، فلم يجدوا سبيلاً إلاّ بنقض احدى المقدمتين من القياس، ليسلموا من حتمية النتيجة أن النبوّة المحمدية بلا معجزة. فسار بعضهم على خطة أهل الإِعجاز أن ﴿القرآن وحده معجزة محمد، متناسين قول المعتزلة ﴿إن الله لم يجعل القرآن دليلاً على النبوّة، وبعضهم رأى الخلاص بنقض المقدمة الكبرى: ليست المعجزة بلازمة لصحة النبوّة، وقد جاءَ القرآن بما يغني عنها، بل بأفضل منها.

ونحن ندرس في هذا البحث أولاً تاريخ فلسفة أهل العصر في النبوّة والمعجزة، ثانياً عرْض نظرياتهم الجديدة في ﴿أساليب القرآن الجديدة في النبوّة، التي تقوم مقام المعجزة. وقد نلجأ الى تكرار بعض الاستشهادات للتذكير والتقرير، ولإعطاء نظرة شاملة جامعة.

أوّلاً: من تاريخ فلسفة أهل العصر في النبوّة والمعجزة

١ ـ بدأ النقد الذاتي الحر الجريء، تجاه تحدّيات العلوم القرآنية والتاريخية في عصرنا، الأستاذ حسين هيكل في (حياة محمد). لاحظ تأثير العصر في العنوان نفسه، حيث يقول ﴿حياة بدل ﴿سيرة. وقد أثار الكتاب ضجة كبرى بين بعض علماء الأزهر. لكنه وجد في شيخ الأزهر فضيلة مصطفى المراغي سنداً له في ﴿تقديم الطبعة الثانية (ص ٥٠ - ٥١) حيث يقول: ﴿ومن الحق ان المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي r حداً دعا الدعاة فيهم الى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات... ولقد كان r حريصاً على أن يقدّر المسلمون انه بشر مثلهم يُوحى اليه، حتى كان لا يرضى أن يُنسب اليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك... فالقرآن وحده معجزة محمد. ما أجمل وأصدق وأصرح هذا التقرير من شيخ الأزهر المسؤول.

٢ ـ أمّا الأستاذ حسين هيكل فيقول ٣١ : ﴿فقد أضافت أكثر كتب السيرة الى حياة النبي ما لا يصدقه العقل، ولا حاجة اليه في ثبوت الرسالة. ثم يقول: ﴿إن كتاب الله هو وحده معجزة محمد. وهو قول السلف من أهل الإِعجاز. هذا التقرير الجامع المانع يقضي على كل معجزة يرونها في القرآن، أو يختلقونها في الحديث والسيرة. ويختم بقوله: ﴿فحياة محمد حياة انسانية بحتة بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ. ولقد كان r حريصاً على ان يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى اليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب اليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك... وهذا الذي جرى عليه النبي... هو ما حال بين كثير من علماء المسلمين وكتابهم والوقوف عند ما أضيف الى سيرة النبي من خوارق وضعها بعض الغلاة مضاهاة لما ورد في القرآن عن عيسى وموسى، أو دسَّها (في الحديث) من دسّوا الإسرائيليات على الإسلام ونبيه، ليزيفوا بها العقائد، وليبعثوا بها الشك الى نفوس من يؤمنون بأن سُنّة الله لن تجد لها تبديلاً. وما كان محمد بحاجة الى الخوارق لإثبات رسالته. وسنرى جدلية هذا التصريح الأخير عن قريب، نسجل الآن انكاره لكل معجزة حسية تُنسب إلى محمد.

٣ ـ وفي (سيرة الرسول) عقد الأستاذ دروزة ٣٢ فصلاً قيماً في ﴿موقف القرآن السلبي من المعجزة - نقلناه في بحث سابق. ويعقب عليه بقوله: ﴿بقيت المعجزات المروّية، وخاصة التي وقعت في مكّة بناء على تحدي الكفّار. ونعتقد أنّا على صواب، إذا قلنا: إن سكوت القرآن عنها، مع كثرة تحدّي الكفّار، واقتصار الأجوبة القرآنية على السلب، لا يمكن أن يشجّعا على التسليم بصحتها. هذا إلى أن الروايات غير متواترة ولا وثيقة. وكثير منها، إن لم نقل أكثرها، لم ترد في المدوَّنات القديمة، الى ما فيها من تخالف كبير في الوقت نفسه.

ثم يخلص إلى هذا التصريح الضخم: ﴿وهذه النواحي الايجابية في النصوص القرآنية يصح أن تكون مفسرة لحكمة ذلك الموقف السلبي، بحيث يصح أن يستلهم منها وأن يقال ـ وقد المح إلى ذلك غير واحد من الباحثين أيضاً ـ إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته، التي جاءَت بأسلوب جديد: هو أسلوب لفت النظر إلى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها... ثم أسلوب مخاطبة العقل والقلب... (جعلها) في غنى عن معجزات خارقة للعادة لا تتصل بها بالذات. سنرى جدلية وحقيقة هذا ﴿الأسلوب الجديد في النبوّة والمعجزة.

٤ ـ وفي كتابه الحرّ الجريء (محمد الرسول البشر)، يقول الأستاذ عبد الله السمان ٣٣ وقد نقلنا شهادته كاملة في بحث سابق ـ ﴿لقد غرم كثيرون من المسلمين بأن يحوّطوا شخصية الرسول بهالة كبرى من الخوارق، منذ أن حملت به أمه، إلى أن لقي ربه، وبلغ الغلو بهم درجة لا تطاق. ومن المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح.

ويقول عن مصادرهم، في السيرة: ﴿وهذه الكتب على كثرتها لا يجوز أن تكون مرجعاً أصيلاً في هذا الصدد، لأنها كتبت في عصور لم يكن النقد مباحاً تماماً فيها، وفي الحديث: ﴿أصبح الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ـ كما يقول الدار قطني أحد جامعي الحديث المعروفين.

ثم يقول عن كتبة السيرة من المتقدمين والمحدثين: ﴿إن كثيراً من العلماء الدينيين السابقين حرصوا على أن يكون لمحمد معجزات مشهورة، حتى لا يكون أقل قدراً من غيره من إخوانه الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين. وهؤلاء لهم عذرهم، فقد راحوا يجمعون الأحاديث صحيحها وضعيفها وموضوعها، دون ما نظر الى ان هذه القضية إنما تحتاج إلى أخبار معتمدة: وليست هناك آية قرآنية صريحة في القضية، ولا حديث واحد متواتر.

ويختم بقوله في المعجزات المنسوبة الى النبي: ﴿ان كتب الأحاديث وكتب السيرة قد استوعبت آلاف المعجزات، ومنها ما بلغ الى درجة التطرف الذي يفرض علينا الضحك... والأحاديث المعتمدة معدودة على الأصابع، وكلها آحادية لا تقطع بخبر... وكتّاب السيرة جميعاً عنوا عناية كبرى بأمر الخوارق ليؤكدوا أن للرسول آلافاً، بل عشرات الآلاف من المعجزات. وهذه المعجزات أمر اعتقادي، لا بدّ لتصديقها من خبر قطعي، وليست هناك معجزة واحدة يؤكدها خبر قطعي مما نُسب إلى رسول الله.

لكنه يستنتج: ﴿ولكن الله عزّ وجلّ أراد أن يرفع من قدر الرسالة فيجعلها عقلية منطقية تخاطب العقل والمنطق. وأيدها بكتاب الله ليعيش معها الى ان يرث الله الأرض ومن عليها، كآية خالدة معجزة. وقد شقّ محمد لدعوته طريقه الى القلوب والعقول، غير مؤيد بالخوارق التي لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع، لأن معه نهجاً واضحاً من كتاب الله، ليس فيه تعقيد ولا التواء. وسنرى هذا ﴿النهج الواضح في النبوّة والمعجزة.

٥ ـ وطلع علينا الدكتور نظمي لوقا في كتابه ﴿محمد الرسالة والرسول بنظرية جديدة ترد المعجزة كدليل على النبوّة، وتجعل دليل النبوّة والوحي في ﴿صدق النبي ومطابقة النبوّة للحقيقة. قال: ﴿ما من نبي حمل الينا توكيلاً موثقاً بأنه ينطق بلسان الوحي، وإنما كانت آيته صدق ما أتانا به. وهذه شهادة أخرى: ﴿وأما المعجزات فلا حجية لها إلا لمن شهدها شهود العيان. وبيننا وبين تلك أجيال وأجيال. فتبقى بعد هذه الآيات المغايرة، الآية الكبرى التي لا يثبت بغيرها صدق، ولا يغني عن غيابها ألف دليل مغاير مهما بلغت درجته من الإِعجاز. وهذه الآية الكبرى هي صدق الكلمة من حيث هي. فإن الحقيقة آية نفسها تحمل برهانها في مضمونها، فيطمئن اليها العقل ويبدو ما يباينها هزيلاً واضح البطلان (ص ٤٩).

فهو يضع مقياسين لصحة النبوّة، المقياس الأول في ذات الرسالة: ﴿ليس للمعجزات حجية، والآية الكبرى هي أن صدق الرسالة متضمن في ذات الرسالة. والمقياس الثاني في ذات الرسول، ﴿ان أول مقياس يُقاس به صدق صاحب الرسالة هو مبلغ إيمانه بها (ص ١٥٧). وهذان المقياسان نقض لضرورة المعجزة، ولوجودها في الدعوة والسيرة عند محمد، وتجاهل مقصود لإِعجاز القرآن كمعجزة. وسيأتي البحث في هذه المغالطات.

٦ ـ وفي كتاب المؤتمر الإسلامي: ﴿حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للاستاذ عباس محمود العقاد، من عام ١٣٧٦ هـ ـ ١٩٥٧م، جاء في مبحث ﴿النبوّة قوله:

﴿نمت في الإسلام فكرة النبوّة كما نمت فيها الفكرة الإلهية... ١) فليست الخوارق ممّا يغني النبي في دعوة المكابر المفتون. إنه ليزعمها اذن ضرباً من السحر أو السكر، ولو فتح له الأنبياء باباً في السماء... ٢) ولقد جاءَت الخوارق طائعة لنبي الإسلام، وأنّى لهم أن يصدقوها أو يفهموها على غير حقيقتها، ولو أنه سكت عنها لحسبوها له معجزة من المعجزات لم يتحقق مثلها من قبل لأحد من المرسلين (حادث كسوف الشمس ساعة دفن ابنه إبراهيم... ٣) وما نحسب أن النبوّة تعظم بكرامة قط أكرم لها من التوكيد بعد التوكيد في القرآن الكريم بتمحيص هذه الرسالة السماوية لهداية الضمائر والعقول، غير مشروطة بما غبر في الأوهام من قيام النبوّة كلها على دعوة الخوارق والإنباء بالمغيبات... ٤) فلا يُرى عجباً أن تكون هذه النبوّة خاتم النبوات، إذ كان الاصلاح بعدها منوطاً بدعوات يستطيعها من لا يدّعي خارقة تفوق طاقة الإنسان، ولا يهول العقول بالكشف عن غيب من الغيوب لا يدريه الإنسان... ٥) والواقع أن النبوّة الإسلامية جاءَت مصححة متممة لكل ما تقدمها من فكرة عن النبوّة، كما كانت عقيدة الإسلام الإلهية مصححة متممة لكل ما تقدمها من عقائد بني الإنسان في الإله (ص ٥٨ ـ ٦١).

إن تلك المبادىء عند الأستاذ الإمام تنكّر مفضوح لضرورة المعجزة ونكران لوجودها في الدعوة والسيرة عند محمد. ونستغرب قوله: ﴿ولقد جاءَت الخوارق طائعة لنبي الإسلام. وهو يعلم ما قاله زميله الأستاذ عبد الله السمان: ﴿وليس هناك آية قرآنية صريحة في القضية، ولا حديث واحد متواتر، ﴿ومن المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح. وحديثه عن النبوّة والمعجزة تجاهل مقصود لإِعجاز القرآن كمعجزة.

٧ ـ وفي كتاب المؤتمر الإسلامي ﴿العقائد الإسلامية للاستاذ العقاد، من سنة ١٣٨٣هـ  - ١٩٦٤ م، جاءَ في فصل ﴿الرسل:

          ١) الأعمال الكبرى التي تمثل نجاح سيّدنا محمّد

العمل الأول: أنه قضى على الوثنية وأحلّ محلها الإيمان بالله واليوم الآخر.

العمل الثاني: أنه قضى على رذائل الجاهلية ونقائصها، وأقام مقامها الفضائل والمكارم والآداب.

العمل الثالث: أنه أقام الدين الحق الذي يصل بالإنسان إلى أقصى ما قدّر له من كمال.

العمل الرابع: أنه أحدث ثورة كبرى غيّرت الأوضاع والعقول والقلوب ونظام الحياة الذي درج عليه أهل الجاهلية.

العمل الخامس: أنه r وحّد الأمة العربية، وأقام دولة كبرى تحت راية القرآن...

﴿إن القيام بهذه الأعمال والنجاح فيها على هذا النحو لهو المعجزة الكبرى لحضرة رسول الله r ـ فإذا كان عيسى له معجزة إحياء الموتى، وموسى له معجزة العصا، فإن هاتين المعجزتين في جانب هذه الانتصارات، والى جانب هذه المعجزات لا تساوي شيئاً.

ونقول: لا يسعنا أن نسلّم بهذا المنطق الذي يجعل النجاح مقياس الحقيقة والنبوّة. فهل نجاح الهندوكية، والبوذية، أو الشيوعية الإلحادية، مقياس لحقيقتها ودليل نبوتها؟! وهل نجاح الاسكندر ذي القرنين ميزان لادعائه الألوهية؟ ونرى أنّ السّيد العقاد يدور في حلقة مفرغة: الدعوة القرآنية منزلة ـ وهو المطلوب إثباته ـ لأنها نجحت ـ، وكل الدعوات الدينية القائمة منذ آلاف السنين قد نجحت، فهل هذا دليل على انها منزلة من الله؟

          ٢) دلائل صدقه

﴿ومن دلائل الصدق على أن الرسول انما هو مرسل من عند الله ما يأتي:

أولاً: إنه كان زاهداً في الدنيا...

ثانياً: من دلائل نبوته أنه كان أُميَّاً...

أما الناحية الثالثة فهي الصدق، فلم يُعلم عن الرسول r أنه كذب قط قبل البعثة ولا بعدها.

ونقول، هل الزهد في الدنيا دليل على أن صاحبه مرسل من الله؟ فما القول اذن بفقراء الهند؟ هل كلهم رسل أنبياء؟! ومن تزّوج السيدة خديجة، ثرية مكّة التي كانت تجارتها تعدل تجارة قريش كلها، وتاجر بمالها خمسة عشر عاماً قبل مبعثه، هل كان من أهل الزهد؟ والقرآن نفسه يأمر بلسان محمد: ﴿يا أيها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان (بالامتناع والزهد)، إنه لكم عدو مبين (البقرة ١٦٨)، ﴿يا أيها الناس كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا الله (البقرة ١٧٢). ويختم كما بدأ: ﴿اليوم أحلّ لكم الطّيبات (المائدة ٥). فالترغيب بالطّيبات ليس من الزهد. وفرض خمس الأنفال ﴿لله والرسول ليس من الزهد، وفرض الفيء كله (ما استولوا عليه بدون حرب) ليس من الزهد. قد يكون للمصلحة العامة لكن المصلحة العامة لا تنفي المصلحة الخاصة.

وهل ثبت من القرآن أن محمداً كان أُميّاً؟ سنرى هذا الموضوع لاحقاً.

أخيراً هل كل إنسان لا يكذب في حياته يكون نبيّاً مرسلاً؟ وكيف نفسر قول الرسول، في الحديث الصحيح: ﴿الحرب خدعة؟ قد نقول: إنها سياسة. وهل السياسة دليل النبوّة؟

          ٣) آيات الرسل

﴿لم يرسل الله رسولاً ليبلّغ الناس الدين ويعلمهم الشريعة، إلاّ وأيّده بالآيات التي تقطع بأنه مرسل من عنده، وأنه موصول بالملإ الأعلى يتلقى عنه، ويأخذ تعاليمه منه. وهذه الآيات التي يؤيد الله بها رسله لابد وأن تكون فوق مقدور البشر وخارج نطاق طاقاتهم وعلومهم ومعارفهم، كما يجب أن تكون مخالفة للسنن الخاصة بالمادة، وخارقة للعادات المعروفة والقوانين الطبيعية المألوفة. ولذلك سمى العلماء هذه الآيات معجزات لأنها تُعجز العقل عن تفسيرها، كما تعجز القدرة الانسانية عن الاتيان بمثلها. وعرّفوا المعجزة بأنها الأمر الخارق للعادة الذي يجريه الله على يدي نبي مرسل، ليقيم به الدليل القاطع على صدق نبوته.

ومن ثَمّ كانت المعجزة ضرورية واظهارها واجباً، ليتم بها المقصود من تبليغ الرسالة، وتُقام بها حجة الله على الناس. وهذه الآيات ممكنة في ذاتها، والعقل لا يمنعها، والعلم لا ينفيها، والواقع يؤيدها.

الفرق بين آيات الرسل وغيرها من الخوارق: ولا تلتبس معجزات الرسل وآيات الأنبياء، بما يحدث على يد غيرهم من خوارق العادات، فإن المعجزات تأتي مصحوبة بالتحدّي، وتصدر عن رجال عُرفوا بالتقوى والصلاح، وأنهم بلغوا منها الذروة التي لا يتطاول إليها إنسان.

ونقول: هذا فصل بليغ في تفصيل المعجزة وشروطها: ﴿إن المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي، سالم عن المعارضة ٣٤ . فهلاّ طبق المؤلف تعريف المعجزة وتفصيلها كما جاء به على ما يُنسب إلى محمد؟! وعلى ما نسبه هو إلى محمد من ﴿الأعمال الكبرى ومن ﴿دلائل صدقه ليرى هل فيها من معجزة تحدّى هو بها، سالمة عن المعارضة، لإثبات نبوته؟

          ٤) معجزة خاتم الأنبياء

﴿ما بعث الله رسولاً إلاّ وقد أيده بالآيات الكونية والمعجزات المخالفة للسنن المعروفة للناس، والخارجة عن مقدور البشر، ليكون إظهارها على يديه، مع بشريته، دليلاً على أنه مرسل من عند الله. فعدم حرق النار إبراهيم، وناقة صالح، وعصا موسى، وما ظهر على يدي عيسى من العجائب، كلها من هذا القبيل.

وكانت الآيات حسية يوم أن كان العقل الإنساني في الطور الذي لم يبلغ فيه الرشد بعد، ويوم ان كانت هذه العجائب تبلغ من نفسية الجماهير مبلغاً لا تملك معه إلا الإذعان والتسليم.

فلمّا بدأ النوع الإنساني يدخل في سن الرشد، وبدأت الحياة العقلية تأخذ طريقها الى الظهور والنماء، لم تعد تلك العجائب هي الأدلة الوحيد على صدق الرسالة.

ولم يعد من السهل على العقل أن يذعن لمجرد شيء رآه خارجاً عن عرف الحياة. إنه يريد شيئاً جديداً يتناسب والطور الذي وصل اليه: يريد الإيمان الذي لا تخالطه الشكوك واليقين الذي يبدد الظلمات.

وما كان الله ليمدّ النوع الإنساني في طفولته بما يحفظ به حياته الروحية، ثم يدعه بعد أن أخذ سبيله الى النظر العقلي والاستقلال الفكري دون أن يقيم له من الأدلة ما يتناسب والارتقاء الذي انتهى اليه: فكانت أن بعث محمداً r وأيّده بالمعجزة العلمية والحجة العقلية وهو القرآن الكريم: قلْ لئن اجتمعت الانس والجن على أنه يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

ونقول: إن الأستاذ العقاد يرجع الى منطق علم الكلام، فيعلن ضرورة المعجزة لصحة النبوّة، ويعطي إِعجاز القرآن أفضل معجزة له.

لكنه جاء بتعليل لا يتماشى مع التاريخ العام، ولا القرآن نفسه. وقد نقل في الحاشية التعليل القديم الذي كان ضعيفاً: ﴿كان السحر مشتهراً في عهد موسى، وكان الطب وإنكار الروح في عهد عيسى، وكانت البلاغة في عهد محمد: فكانت معجزة كل نبي من جنس ما اشتهر على عهده. مع ملاحظة أن المعجزة فوق مقدور البشر فهي أعلى مستوى وأرفع قدراً.

وفات الأستاذ ان القرآن دعوة قومية قبل أن يمسي دعوة عالمية: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها (الشورى ٧). ولغة القرآن تدل على قوميته: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (إبراهيم ٤). فالقرآن دعوة لمكّة وما حولها قبل أن يكون ذكراً للعالمين. فهل كان الحجاز في الجاهلية قبل البعثة على ما وصفوه في التعليل القديم والتعليل الجديد؟

فهل كانت البلاغة في الحجاز الجاهلي أبلغ منها في أنطاكية وأثينة ورومة، ناهيك عن عواصم الهند والصين؟ أم هل كانت عناية العصر الجاهلي بالبلاغة أكثر منها بالشعر؟ وقد قالوا: ﴿الشعر ديوان العرب. والقرآن ينص: ﴿وما علمناه الشعر، وما ينبغي له (ياسين ٦٩). هل كان الطب في فلسطين على عهد المسيح، عند شعب مستعمر مقهور مغلوب على امره، أعظم منه في دولة الرومان ودولة الفرس؟ وهل كان السحر في مصر، على زمن موسى، أوغل منه في كل عصر ومصر؟ إن تعليلهم هذا لا يصحّ أن تقوم عليه حجية إِعجاز القرآن.

ولا تقوم فلسفة إِعجاز القرآن على التعليل الجديد الذي خرج به السيد السابق وأمثاله. فهل بلغت جاهلية الحجاز سن الرشد أبلغ من عواصم الهند وفارس واليونان والرومان؟ بل هل كان في الحجاز الجاهلي من الرشد نصيب زهيد مما كان في دولة الأكاسرة ودولة الأباطرة؟ أم هل كانت الحياة العقلية في ﴿أمّ القرى وما حولها أعظم من أنطاكية وأثينة ورومة؟ هذا الزعم تحدٍّ لحقيقة التاريخ. ومن المعروف أن العرب لم يأتوا سورية إلاّ بالدين، وأخذوا الحضارة والثقافة عن سورية المسيحية، في العهد الأموي. وفي العهد العباسي تكونت الحضارة والثقافة الإسلاميّتان بالعناصر التي أسلمت من الروم والفرس والهنود، كما تشهد أسماء أعلامها الى اليوم، وبالترجمات عن اليونانية والفارسية والهندية، فكانت خلاصتها كلها.

لقد كانت جاهلية الحجاز في طفولة عقلية وعلمية بحاجة الى معجزة حسية، أكثر منها الى معجزة عقلية وحجّة علمية كالتي يرونها في إِعجاز القرآن، لإثبات صحة النبوّة والتنزيل. والقرآن نفسه شاهد عدل على وضعه التاريخي في بيئته. فهو صراع متواصل بين محمد والمشركين على معجزة حسية من الله تؤيده: ﴿لن نؤمن حتى نُؤتى مثل ما أوتي رسل الله (الأنعام ١٢٤). فالمعجزة في نظر أهل الشرك كما في نظر القرآن هي ﴿سلطان الله المبين الذي كان ﴿سُنّة الأولين في إثبات صحة نبوتهم: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا... إلا أن تأتيهم سُنّة الأولين (الكهف ٥٥). لكن المعجزة مُنعت عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً (الإسراء ٥٩) وامتنعت عليه منعاً واقعياً مطلقاً (الأنعام ٣٥، الإسراء ٩٣). فجدلية الأستاذ العقاد ينقصها الواقع القرآني والتاريخي.

٨ ـ والسيد عبد الكريم الخطيب، في ﴿النبي r إنسان الإنسانية، ونبي الأنبياء ـ سنة ١٩٦٣ ـ يعرّف أولاً بالمعجزة: ﴿المعجزة عند المؤمنين بالمعجزات: حدث خارق للعادة، لم يجرِ على سنن الحياة، ولا ناموس الطبيعة على الوجه الذي ألفه الناس وعرفوه... ومن أَجل هذا لم تكن مخترعات المخترعين ولا أعمال العباقرة في العلوم والفنون والآداب مما تُدّعى له ﴿المعجزة أو ممّا يُتحدّى به في مقام الإِعجاز... ومن هنا كانت المعجزة مصحوبة بالتحدّي من جهة، وبدعوى النبوّة من جهة أخرى... يقول ابن تيمية: إنما تكون المعجزة آية إذا كانت من فعل الله، مع التحدّي بمثلها، ودعوى ﴿النبوّة (ص ٦٠ ـ ٦١). والخارق والتحدّي ودعوى النبوّة هي العناصر الثلاثة المكونة للمعجزة منذ أن قال بها المتكلمون، وإن نازعهم في ذلك الفلاسفة المسلمون.

ثانياً يقول مردّداً مقالة قومه في ﴿اختلاف المعجزات باختلاف الأمم... كما سنرى لماذا كانت معجزة النبي محمد معجزة عقلية تخاطب العقل الإنساني في أعلى مستوياته وأدناها جميعاً، فيما حمل القرآن من آيات بيّنات (ص ٦٨ و٧١). ﴿الرسالة الإسلامية اذن هي الرسالة التي أدركت الإنسانية حين بلغت رشدها وحين رفعت عنها وصاية السماء التي أقامتها على الناس عن طريق أنبياء الله ورسله الكرام. وشواهد التاريخ تؤيد هذا وتشهد له. فالانسانية لعهد محمد كانت في آخر مرحلة من مراحل سيرها نحوالنضج العقلي (ص ١١٥). ﴿يتحدّث الجاحظ في كتابه (حجج النبوّة) عن طبيعة الرسالة الإسلامية، وأنها تتجه الى مجتمع يأخذ الأمور بمعيار العقل، وينظر في أعقابها وما تؤول إليه (ص ١١٧). فنظرية إِعجاز القرآن معجزة عقلية ترجع الى الجاحظ. كذلك نظرية بلوغ البشرية في عهد محمد سن الرشد والنضج العقلي.

ثالثاً موقفه الضعيف علميّاً ونقديّاً تجاه أساطير السيرة قبل البعثة، مثل النور في جبين أبيه عبد الله، وحلم آمنة أُمه، وقصة ولادته مختوناً، وقصة شقّ صدره طفلاً: ﴿موقفنا من جميع القصص التي رويت عن حياة النبي قبل البعثة، أننا لا ننظر اليها بحسابها من دلالات النبوّة، ومعجزات النبي، وانما ننظر اليها جميعها على أنها ـ إن صحت ـ لم تكن لتزيد في قدر النبوّة ولا في عظمة النبي، وأنها ـ إن لم تصحّ ـ لم تكن لتنقص شيئاً من قدر النبوّة، ولا من عظمة النبي! (ص ١٩٦). كذلك موقفه في ما يسمونه ﴿إرهاصات بين يدي النبوّة (ص ١٩٧)، ويرى فيها ﴿صوراً من الحق (ص ٢٠١) مثل دين الحمْس من قريش، ورجال في الطليعة الى الإسلام، وهم الحنفاء، وأخبار الرهبان من النصارى والأحبار من اليهود، والكهان من العرب الذين ينبئون بمجيء النبي العربي ﴿الذي أظل زمانه. فكأن الرهبان والاحبار والكهّان صاروا أنبياء يتنبأون بمجيء النبي العربي. فهو ذا زيد بن نفيل الحنيف يطوف بالبلاد والشام ﴿فيلتقي براهب ينصح له أن يلتمس الحنيفية دين إبراهيم عند نبي سيبعث في بلاده، وأن زمانه قد أظل (ص ٢٠٦): راهب مسيحي ينصح بمتابعة دين غير دينه، ونبي على غير دينه! وأحبار اليهود الذين يحتكرون الله وكتابه وأنبياءَه يتوعدون العرب بالنبي العربي (ص ٢٠٨)! ويتابع السّيد الخطيب فيقول: ﴿وكان شق وسطيح أشهر كاهنين في الجزيرة العربية قبيل مبعث النبي، ولا نستبعد أن يكون لشق وسطيح استطلاعات في موكب النبوّة (ص ٢١٧) ثم ينقل لهما نبوءَة مفصلة عن سيرة محمد ودعوته (٢١٨ ـ ٢٢٠)، وهو يستظرفها وإن شك فيها. كما ينقل لكاهنة مثلها، وللكاهن (خطر بن مالك) ما هو أخطر : ﴿مبعوث عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرآن... ثم قال: هذا هو البيان أخبرني به رئيس الجان. ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر! ثم سكت فأغمي عليه: فما أفاق إلا بعد ثلاثٍ. فقال: لا إله إلا الله! ... (ذكر ذلك في حضرة الرسول) فقال رسول الله r : لقد نطق عن مثل نبوءة، وانه ليُبعث يوم القيامة أمة وحده (ص ٢٢١ ـ ٢٢٣). فلا يكفي القوم أن يستنطقوا الأحبار والرهبان في مبعث محمد، حتى يستنطقوا الجن والعفاريت على لسان الكهّان!

ثم ينتقل الشيخ الخطيب الى ﴿معجزات الرسول بعد البعثة (ص ٢٢٣)، فيقول فيها قبل أن يعدّدها: ﴿فإذا كان من الممكن أن يُسلّم ـ عقلاً ـ بأن تخلو سيرة الرسول الى مبعثه من غير اشارات ودلالات تشير الى النبوّة... ـ وهو ما لا يمكن أن يُسلّم به أو يقبل بحال أبداً ـ فإن امكان عدم التسليم بهذا في الفترة السابقة من حياة النبي قبل مبعثه يرتفع الى درجة المستحيل ان تخلو سيرة النبي خلال فترة النبوّة من آيات ومعجزات تشهد له (ص ٢٢٤). نحيل السّيد الخطيب إلى أقوال زملائه ﴿بأن القرآن وحده معجزة محمد، وإن استدرك فقال: ﴿إنها ليست من باب المعجزات التي تجيء للتحدّي وتعجيز الناس عن الاتيان بمثلها، ليعترفوا للنبي بمثلها (ص ٢٢٥)، بل ﴿من نفحات النبوّة، ومن شذاها العطر الذي لا ينفصل عنها بحال (ص ٢٢٧). فهو يقبل بها معجزات من النبوّة، لا معجزات تحدي لصحة النبوّة، مثل نبع الماء من أنامله، وتكثير الطعام، وشجرة تتكلم وتشهد لأعرابي أن محمداً رسول الله، وشجرة يستنطقها فتشهد للنبي أنه نبي: ﴿فإذا تكلّم الطير! وسبح الحجر! ومشى الشجر! وشكا البعير! وحنَّ الجذع بين يدى الرسول! فذلك مما لا ينكر أو يُدفع (ص ٢٣٦). وترى الخطيب يذهب بين الشك واليقين في أمر هذه المعجزات فيقول تارة: ﴿ولا نريد أن نعيد القول هنا فيما يدور في هذه المعجزات من جدل حول وقوعها أو عدم وقوعها على الوجه الذي رويت فيه وعلى الكثيرة التي تكاد تجعل حياة النبي وأعماله كلها خوارق ومعجزات (ص ٢٣٦) ويقول للحال: ﴿ونعود فنقرر مرة أخرى أن كل هذه المعجزات والخوارق التي رُويت عن نبي الإسلام لم تكن - إن كانت - إلا شرارات من جذوة النبوّة وإلاشعاعات من شموسها المشرقة. أما معجزة النبي الكبرى وآيته الخالدة فهي القرآن الكريم (٢٣٧). لاحظ قوله: ﴿لم تكن ـ إن كانت ـ إلا شرارات من جذوة النبوّة وصفة ﴿معجزة النبي الكبرى: أي تلك المعجزات كلها صغرى قائمة. فهذا السير بين الشك واليقين غير مقبول. لكن نشهد له أنه أصاب الحق في قصة ﴿انشقاق القمر من انه ﴿سيقع حين تقترب الساعة (ص ٢٤١)، وان ﴿الإسراء ـ على ما تشهد به الآية ـ لم يكن للإِعجاز وإنما هو رحلة روحية الى بيت المقدس، مجمع الأنبياء، وأول قبلة للإسلام (ص ٢٤٣).

رابعاً وأخيراً يصل الى معجزة إِعجاز القرآن: ﴿الرسول والمعجزة الكبرى (ص ٢٦٥). فيقرر لها الأساس القديم، ﴿والدليل على أنه معجزة خارقة للعادة تدل على أن موحيه هو الله وحده، ليس من اختراع البشر، هو انه جاء على لسان أُميّ لم يتعلّم الكتابة، ولم يمارس العلوم (٢٧١ ـ ٢٧٢). وعن عناية المسلمين بعلوم القرآن يشهد: ﴿لهذا كان ذلك الاختلاف المتشعب في كل علم وفي كل فن من فنون العربية وعلومها... ومن هنا كان الاختلاف الذي لا يكاد يُحصر، والذي لا نجد له شبيهاً عند أُمة من الأمم، أو في لغة من اللغات. وحسبنا أن نشير الى الفقه وما في أحكامه من آراء! والنحو وما في مسائله من خلاف (ص ٢٧٣). فهل هذا كله شاهد لمعجزة الإِعجاز؟

ثم يقول: ﴿إن دلائل الإِعجاز في القرآن ـ مع أنها تنتظم القرآن كله وتجري في كل آية من آياته ـ لا تكفي وحدها في حسن استقبال الناس لها، وفي صدق نظرتهم اليها، ووزنها بميزان الحق والانصاف (ص ٢٧٧). فهل هذه الظاهرة تجعل إِعجاز القرآن معجزة للعالمين؟

وفي مقابلة معجزات الرسل بإِعجاز القرآن يقول: ﴿إن الإِعجاز القرآني يخاطب العقل ويناجي الوجدان. على حين أن الإِعجاز في معجزات الرسل إنما يجابه الحواس ويصادم ناموس الطبيعة القائم في الناس، فيُحدث في الحياة زلزلة عنيفة تنبه الغافلين وتوقظ النيام. لهذا كان الإِعجاز القرآني في حاجة ملزمة الى قوة تُظاهره وتفتح له القلوب وتوجه اليه العقول وتقيم له في الحياة مكاناً راسخاً وتجعل له في الناس قدماً ثابتة. وهذه القوة التي يحتاج الإِعجاز القرآني الى مظاهرتها ينبغي أن تكون هي ذاتها معجزة... فكان هو r عنوان هذا الكتاب الكريم (ص ٢٧٩). فحاجة القرآن الملزمة الى معجزة شخصية تظاهره هي البرهان على ان إِعجاز القرآن ليس بمعجزة في ذاته. وسنرى المعجزة الشخصية في فصل آخر.

ويرى معجزة أخرى تؤيد إِعجاز القرآن في خلق العرب دولة تفتح دولة الفرس ودولة الرومان، ﴿هذا الإِعجاز الرائع لقوة الإيمان (ص ٣٠٥). فهل هذا أيضاً يشهد لمعجزة الإِعجاز في ذاته؟

ويرى أيضاً في الشريعة القرآنية معجزة. وفاته ما قاله من اختلاف في الفقه المبني على أحكام القرآن وشريعته.

فجلُّ ما عند الشيخ الخطيب أن معجزة الشخصية النبوية لازمة لإظهار إِعجاز القرآن لقد شذّ عن سربه، وجعل قوة المعجزة في غير إِعجاز القرآن نفسه.

٩ ـ والسيد محمد الغزالي في (عقيدة المسلم) الذي تواترت طبعاته في مصر ولبنان والكويت وغيرها، يقول في ضرورة المعجزة لصحة النبوّة: ﴿من حق الناس أن يسألوا كل رجل يزعم انه مُرسَل لهم من عند الله: ما دليلك على صدق قولك؟ (ص ٢٣٩) ﴿والدليل على صدق أية دعوى قد يكون بأمور خارجة، أو يكون بحقيقتها في نفسها (٢٤١). ﴿وقد كان التعويل في العصور الأولى على الخوارق المادية فحسب، أمّا ما تضمنته الأديان من حقائق فكانت منزلته ثانوية، حتى جاء الإسلام فغضّ من شأن الإِعجاز المادي، ونوه بالإِعجاز العقلي والقيم المعنوية للرسالات. ﴿كانت معجزات الأنبياء شيئاً آخر غير الرسالات التي يبشّرون بها ويدعون اليها. إلاّ أن الله شاء أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة شيئاً لا ينفصل عن جوهرها. فجعل حقائق الرسالة ودلائل صحتها كتاباً واحداً بإِعجاز القرآن (ص ٢٤٣). ﴿فلتكن اذاً معجزة نبي الإسلام عقلية (٢٤٥). هذا ما يردده المتكلمون منذ الجاحظ، والفلاسفة الإسلاميون منذ ابن رشد. فلم يأتنا السيد الغزالي بجديد.

لكن الجديد عنده موقفه من المعجزات في القرآن والسيرة: ﴿إن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبث في طريق الرسول أنواعاً من الخوارق التي أُيّد بها النبيّون الأولون، فجاءَت هذه الخوارق تحمل طابعاً خاصاً ينبغي أن نعرفه حتى لا نتجاوز به حدوده الصحيحة. هذه الخوارق ثانوية الدلالة في تصديق النبوّة والشهادة لها.

﴿والطريقة التي أُرسلت بها من عند الله تشير الى أن الحكمة الإلهية لم تعلّق عليها كبير أهمية، ولم تغضّ بها من قيمة المعجزة العقلية التي انفرد بها الرسول. فقد حدثت جملة من هذه الخوارق بين المؤمنين... وحدث بعض آخر أمام أعين الكافرين. بيد أن الصورة التي تمَّ بها تثير الدهشة، اذ كانوا يقترحون معجزة فتأتيهم أخرى، أو يأتي ما يقترحون بعد سنين طوال، وعلى وجه يبدو منه أن إجابتهم الى ما طلبوا لم تُقصد أصلاً. وربما تُهمل مقترحاتهم كلها فلا يُنظر لها قط (ص ٢٤٦).

فالسيد الغزالي يقبل اذاً بصحة وتاريخية الخوارق والمعجزات المنسوبة الى محمد في السيرة والحديث. نحيله الى قول زميله الأستاذ عبد الله السمان الذي نقلناه: ﴿ومن المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح. فنظرية الغزالي ساقطة لاغية. والاصرار عليها ضعف، وإن اعتبرها ﴿ثانوية الدلالة.

والجديد عنده أيضاً نظريته في الشخصية النبوية: ﴿لئن كانت العبقرية امتداداً في موهبة واحدة أو في جملة مواهب، إن النبوّة امتداد في المواهب كلها، واكتمال عقلي وعاطفي وبدني، وعصمة من الدنايا ورسوخ في الفضائل كلها وعراقة في النبل والفضل (ص ٢٥٤). ومع النبي العربي ﴿انتقل العالم من عهد الى عهد. والكلام في عظمة الشخصية التي حملت عبء هذه الرسالة يطول. وحسبنا أن الله عزّ وجلّ جمع في سيدنا محمد r من شارات السيادة والنبل ما تفرّق في النبيّين من قبل (ص ٢٥٦)، ﴿فإن خصال الكمال التي توزعت عليهم التقت أطرافها في شخصية الكريم (ص ٢٥٧). وسنرى في فصل ﴿المعجزة الشخصية في السيرة والنبوّة وفي الرسالة مدى الإِعجاز فيها، وهل ﴿جمع الله ما تفرق في النبيّين من قبل. تكفي شهادة القرآن التي عنها يغفلون: ﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك، وما تأخر (الفتح ١)، ﴿ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك (الشرح ١ ـ ٣). والوزر الذي ينقض الظهر ليس ﴿باللّحم ولا بالصغيرة، وهذا يدحض تفسير السيد الغزالي في قصة استغفار محمد: ﴿فليس استغفار الأنبياء عن مثل ما نقارف من خطايا، أو ترتكب من سيئات (ص ٢٣٩).

والجديد عنده أخيراً تطرّفه على أقرانه في قصة تحريف التوراة والإنجيل والعقيدة فيهما: ﴿وسريان الفساد الى الديانتين الكبيرتين السابقتين على الإسلام، اليهودية والنصرانية، وما طرأ عليهما من تغيير، وداخل كتبهما من تحريف، جعل الإسلام هو الطريق الفذ للإيمان السليم (ص ٢٦٢)، ﴿ولا تحسبنّ هذا غلواً في تزكية مخلوق، أو افتياتاً على حق الخالق، أو تجنياً على أتباع الرسل الأولين. فإن عيسى وموسى صلوات الله عليهما سارا بالناس الى الله على بصيرة، وهم لا يدرون ما فعل أتباعهم من بعدهم. ولو عادوا إلينا لكانوا أول من يبرأ من الكتب المدسوسة عليهم، وأول من يستمع الى آيات الذكر الحكيم ويبادر الى تنفيذ أحكامها ووصاياها؟ (ص ٢٦٣). هذا غلو وتجنّ على القرآن نفسه الذي يعتبر الكتاب كله، وعلى عهده نفسه ﴿كتاب الله في عشر سَور (٢: ١٠١، ٣: ٢٣، ٥: ٤٤، ٨: ٧٥، ٩: ٣٦، ٢٢: ٨، ٣٠: ٥٦، ٣١: ٢٠، ٣٣: ٦، ٣٥: ٢٩). يكفي قوله في اليهود والنصارى: ﴿الذين يتلون كتاب الله (٣٥: ٢٩)، ويكفي تحدّي القرآن للمشركين بالكتاب والقرآن على السواء: ﴿قلْ: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتّبعه، إن كنتم صادقين (٢٨: ٤٩). وتسمية القرآن للتوراة والإنجيل ﴿كتاب الله بتواتر شاهد قاطع على فساد مقالتهم بتحريف التوراة والإنجيل القائم على تفسير خاطىء مغرض للفظة ﴿تحريف الواردة بمعنى تأويل مخالف ﴿للكلم عن مواضعه في آية أو آيتين من التوراة، ولا ذكر فيه للإنجيل على الإطلاق ٣٥ . وقد نقلنا في كتابنا (مدخل الى الحوار الإسلامي المسيحي) عشر شهادات كل واحدة من مجموعات قرآنية تشهد أن ﴿صحة الكتاب والإنجيل عقيدة في القرآن (ص ٩٤ ـ ١٢٤). وشهادة القرآن أن ﴿هدى القرآن والكتاب واحد (٢٨: ٤٩) برهان قاطع على أن عقيدة أهل التوراة وأهل الإنجيل سالمة سليمة كما وصلت الى زمن محمد. وهذه الشهادة القرآنية الناطقة تسقط قول السيد الغزالي الذي يتهجم على عقيدة المسيحيين بقوله: ﴿لم تصادف خرافة من الرواج في العالم مثل الخرافة التي تعد عيسى إلهاً لهذا العالم ـ أو شريكاً فيه مع الله!! (ص ٦٥). ونسي أن القرآن نفسه ينسب مرتين الى السيد المسيح المقدرة على الخلق، مرة على لسان السيد المسيح: ﴿أني أخلق لكم من الطين (آل عمران ٤٩)، ومرة على لسان الله نفسه: ﴿وإذ تخلق من الطين (المائدة ١١٠). ولا غرابة في قول السيد الغزالي بحق المسيحية، فقد بلغ نقده القرآن نفسه، حيث ينكر بعث المسيح ورفعه حياً الى الله، قال: ﴿لأنه في حياته عبد ضعيف، وبعد مماته رفات موارى في حفرة من التراب (ص ٦٧). فما نظر حضرته بقوله: وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم؟ (النساء ١٥٧). وما نظر حضرته في قوله: ﴿يا عيسى أني متوفيك ورافعك اليّ (آل عمران ٥٥)، ﴿بل رفعه الله اليه (النساء ١٥٨). إن رفع المسيح الى الله حصل في آخرته على الأرض، ولا ينتظر اليوم الآخر، حتى يجعله السيد الغزالي ﴿بعد مماته رفاتاً موارى في حفرة من التراب!

فالسيد الغزالي مثل الشيخ الخطيب، من القوم الذين يصعب عليهم التسليم بواقع القرآن وموقفه السلبي من كل معجزة تنسب الى محمد، مهما قال العلماء المسلمون الصادقون بانتحال الخوارق والمعجزات لمحمد في الحديث والسيرة، كما نقلنا عنهم.

١٠ ـ والسيد عفيف عبد الفتاح طبارة أصدر (روح الدين الإسلامي) في أربع طبعات من ١٩٥٥ إلى ١٩٦٠، أهداه الى ﴿أهل الفكر الإنساني. وفيه يقسم القول الى فصلين. الأول ﴿بعض وجوه إِعجازه (ص ٢٠). وسبب اختيار الله لإِعجاز القرآن معجزة له أن ﴿العرب كانت مفطورة على حب البلاغة والأدب والشعر والخطابة... جاءَ القرآن الكريم أفصح كلاماً وأبلغ أسلوباً ومعنى... وهو لا يستطيع أن يستولي عليها إلا اذا كان أقوى منها فيما هي قوية به (ص ٢٧) - فهل فاقت العرب، أم سبقت اليونان والرومان، ومن قبلهم الهنود والفرس، بصناعة الكلام والفطرة عليه؟ فمناسبة الإِعجاز معجزة ليست العلة القائمة. فما ﴿اقتضت حكمة الله أن تكون معجزة محمد من جنس ما اشتهر العرب فيه، لأن كل رسول تكون معجزته من جنس ما نبغت فيه أمته (ص ٣٠). فقد كانت المعجزة الحسية ﴿سُنّة الأولين من الأنبياء أجمعين، بشهادة القرآن نفسه. والمؤلف يكرر ما قالوه قبله. وإنّما فاته أن القرآن نسخ التحدّي بإِعجازه عندما أنهى فترة التحدّي به للمشركين ـ لا لغيرهم ـ بإعلان ﴿متشابه القرآن (آل عمران ٧) والمتشابه والإِعجاز لا يجتمعان. وبهذا النسخ لإِعجازه لم ﴿يسنّ نهجاً جديداً في البرهان على صحته (ص ٣١)، ولم يقبله العرب حجة على صحة النبوّة، بدليل تحديهم الدائم له بمعجزة مثل الأنبياء الأولين (الأنبياء ٥)، وامتنعوا عن التصديق حتى تأتيهم سُنّة الأولين (الكهف ٥٥).

وفي وجه الإِعجاز على الاجمال يقول: ﴿وأسلوبه مخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها. ويستشهد على ذلك بأقوال الدكتور طه حسين، والباقلاني، والرافعي. وفاته وفاتهم أنه أسلوب نظم الكتاب، كما كان يقرأه مع أستاذه وابن عمه ورقة بن نوفل قسّ مكّة، وذلك بنص القرآن القاطع: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل (النصارى) على مثله (الأحقاف ١٠).

ثم يفصّل بعض وجوه الإِعجاز البياني فيه: التصوير الفني، ضرب الأمثال، التكرار، الايقاع الموسيقي، في فصل ﴿بعض خصائص أسلوب القرآن (ص ٣٤). وينقل عمن سبقه ﴿وجوه أخرى من إِعجاز القرآن (ص ٣٧): فصاحته في كل المواضيع، وفرة بلاغته، سلامته من التناقض والخطأ، سمو روحه، غزارة معانيه. هذا هو الوجه البياني، الذي لا يماري فيه أحد. لكن هل اعتبره القرآن معجزة له؟ وهل يصحّ بذاته معجزة لتحدّي العالمين؟

ويرى وجهاً آخر في ﴿اشتماله على أنباء غيبية (ص ٤٠). وهي على نوعين: نبوءات للمستقبل القريب والبعيد يراها في استخلاف المسلمين في الأرض (النور ٥٥)، وعصمة محمد من الناس أعدائه (المائدة ٦٧)، انتشار الإسلام بين العرب (غافر ٥١، التوبة ٣٢)، تفرّق المسلمين شيعاً ومحاربة بعضهم بعضاً (الأنعام ٦٥)، والنوع الآخر: ﴿ومن الأنباء الغيبية التي أتى بها القرآن، الأنباء عن قصص الأولين من الأنبياء (ص ٤). وهو يرى في القصص القرآني معجزة لسببين: الأول أمية محمد، وهي تفسير لا يصح لاصطلاح قرآني كما سنرى، والثاني ﴿مما يشهد للقرآن أنه وحي إلهي أن قصص القرآن تخالف كثيراً ما ورد في الكتب المقدسة وتسمو عليها (ص ٤١). وفات حضرة المؤلف أن الخلاف الموجود بين القرآن والتوراة في قصص الأنبياء وارد في التلمود، وأن عصمة الأنبياء مما ورد في التوراة من ذنب لهم أو هفوة هي أيضاً في التلمود. وفات السيد طبارة شهادة القرآن لنبيه: ﴿ولا أعلم الغيب (الأنعام ٥٠). ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء: إن أنا نذير وبشير لقوم يؤمنون (الأعراف ١٨٨)، ﴿ولا أقول لكم: عندي خزائن الله! ولا (أني) أعلم الغيب! ولا أقول: أني ملك... أني إذاً لمن الظالمين (هود ٣١). فالقرآن يشهد بامتناع المعجزة الغيبية على محمد، كما يشهد بامتناع المعجزة الحسية عليه (الإسراء ٥٩ و٩٣؛ الأنعام ٣٥).

ويرى السيد طبارة وجها جديداً من الإِعجاز في روحانية القرآن (ص ٤٢) التي أتت بمعجزتين: الأولى جعل العرب ﴿أمة موحدة قوية تنشر الفضل والفضيلة والكمال في أرجاء العالم المضطرب: أيّ حجة أكبر من هذه على أن القرآن وحي إلهي، وأنه روح من عند الله. والثانية: ﴿هذه الروحانية اشتملت على العلوم الإلهية وأصول العقائد الدينية وقوانين الفضائل والآداب، وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي وغيرها من الأصول التي أتى بها القرآن، وسبق بها كل الأوضاع البشرية التي من نوعها والتي يؤلف مجموعها الصرح الأدبي الضخم لهذه المدنية الحديثة... كل هذا مشمول بالنص، لا بالتأويل، في الأصول التي جاء بها القرآن في القرن السابع الميلادي (ص ٤٢).

هذا ما يسميه ﴿روح القرآن (ص ٤٢). وهو يستند إلى هذه الآية:﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتَهدي (قراءَة أخرى أصحّ: لتُهدى) الى صراط مستقيم (الشورى ٥٢). وفاته ان تعبير ﴿روحاً من أمرنا لا يعني ﴿روح القرآن أو روحانيته، بل ملاكاً من عالم الأمر أي مخلوقاً، جاءَه وهو معتكف في غار حرّاء أمره (الدخان ١ ـ ٥) بالإيمان بالكتاب الذي جعله ﴿نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، لذلك يأمره: ﴿قل: آمنت بما أنزل الله من كتاب (الشورى ١٥). لاحظ القرينة ﴿من أمرنا والقرآن غير مخلوق في ملته واعتقاده.

والسند الثاني للإِعجاز في العقيدة والشريعة هو أيضاً أمية محمد: ﴿فكيف يستطيع رجل أُمّي لم يقرأ ولم يكتب، ولا نشأ في بلد علم وتشريع أن يأتي بمثل ما في القرآن منها تحقيقاً وكمالاً، يؤيده بالحجج والبراهين (ص ٤٣). ونعرف أن أمية محمد مبنية على تفسير خاص لاصطلاح قرآني متواتر. وفاته أن القرآن ينقض الإِعجاز في العقيدة بقوله: ﴿فبهداهم اقتدِهْ (الأنعام ٩٠)، وهو في الهدى مع الكتاب سواء: ﴿قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ان كنتم صادقين (القصص ٤٩). كما ينقض الإِعجاز في الشريعة بقوله: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم (النساء ٢٦)، أي ﴿الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم (الجلالان).

والإِعجاز في الشرائع والأخلاق والآداب لمن يغلب الروح على الجسد، والآخرة على الدنيا، والدين على الدولة، والشريعة القرآنية دين ودولة، دنيا وآخرة، جسد وروح، كما يرى العقاد نفسه، فقد جمع القرآن مادية التوراة الى روحانية الإنجيل في ﴿أمة وسط.

وبعد هل من تحدّ بإِعجاز بمثله بعد قوله: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (الأحقاف ١٠).

فترى أن السيد طبارة في هذا الفصل لم يأتِ بجديد، بل كرّر ما رددته الأجيال من قبله. وعلماء العصر المسلمون لا يرون فيه معجزة.

أمّا الفصل الثاني، ﴿معجزات القرآن العلمية فهو من حاجة المحتاجين إلى معجزة لإثبات النبوّة. والقرآن مثل الإنجيل والتوراة كتاب هداية دينية، لا كتاب علوم كونية. مع ذلك فهو يقول في مغالطات مكشوفة: ﴿إن القرآن لم تكن مهمته أن يتحدث الى عقول الناس عن مشكلات الكون وحقائق الوجود العلمية، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للناس في حياتهم الدينية والدنيوية. ولكن مع ذلك لم تخلُ آياته من التعبيرات الدقيقة ولا من الإشارات الخفية الى حقائق كثيرة من المسائل الطبيعية والطبية والجغرافية، مما يدل على إِعجاز القرآن وكونه وحياً من عند الله. ومن الثابت تاريخياً أن محمداً r ، فضلاً عن كونه أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، قد نشأ في مكّة حيث لم تكن علوم ولا معارف ولا جامعات ولا مدارس تُقرأ فيها العلوم الكونية، كما ان محمداً كان بعيداً عن ذلك المحيط العلمي الذي كان موجوداً في الشام والاسكندرية وأثينا ورومية. ومع ذلك فإن النظريات العلمية التي أشار اليها القرآن لم تكن معلومة في ذلك العصر في القرن السابع الميلادي، ولم يكتشف العلم أسرارها إلا منذ أمد قريب (ص ٤٤).

هذا هو الجديد الذي أتى به السيد طبارة، مع من يحذو حذوه: في القرآن إِعجاز علمي، سبق العلم العصري بنيّف وثلاثة عشر قرناً. هذه معجزة ضخمة لو صحت. لكنها في ذاتها وفي ظروفها سراب بسراب. إن أساس هذا الإِعجاز العلمي واهٍ جداً، وهو يبنيه على ثلاث ركائز ضعيفة: أميّة محمد، نشأته في مكّة البعيدة عن مراكز العلم، وعدم اتصال محمد بتلك المراكز. وفاته أن قريش كانت سّيدة التجارة بين أطراف الجزيرة، وأن محمداً كان شيخ تجّارها في تجارة زوجه خديجة التي ﴿كانت تجارتها تعدل تجارة قريش كلها، والقرآن يعدّ رحلتي الشتاء والصيف الى اليمن والشام من نعم الله عليهم، وأن تجار قريش وسيدهم محمداً كانوا على اتصال بمراكز العلم في اليمن ودول الشمال العربي حيث علم الروم والفرس والهنود يتسرّب ويتفاعل، وحيث كان محمد خصوصاً يتصل بالأحبار والرهبان حملة العلم في كل زمان ومكان. وورقة بن نوفل، أستاذ محمد بعد زواجه من ابنة أخيه خديجة، كان محجة علم لأنه كان قسّاً على اتصال بالراهب بحيرة في بصرى، كما نقل الحديث والسيرة. والقرآن بنقل: ﴿وأعانه عليه قوم آخرون (الفرقان ٤)، ان لم يصح قولهم في القرآن نفسه، فيصح في ﴿الكونيات القرآنية، ونعرف في صحابته سلمان الفارسي، صاحب فكرة الخندق، وصهيب الرومي، وغيرهما. فقد كانت مكّة أكبر سوق للتجارة والثقافة في الجزيرة، ويحضرها التجار العرب وغيرهم، والتجارة باب إلى الثقافة. فإذا لم يذهب محمد في طلب العلم الى الاسكندرية والشام وأثينة ورومة، فقد أتى أهلها بعلمهم وتجارتهم إليه في مكّة وفي أطراف الجزيرة. فأسس الإِعجاز العلمي ساقطة.

ثم إن ﴿التعبيرات الدقيقة والإشارات الخفية الى حقائق علمية لم يأخذها القرآن على حسب اصطلاحها كما يفعلون به، ولم يفهمها المخاطبون العرب بحسب هذا الاصطلاح، بل أخذها القرآن وفهموها بحسب معناها اللغوي، مثل قوله في الذرة: ﴿من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (٩٩: ٧ و٨)، ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة، ﴿لا يملكون مثقال ذرة (٣٤: ٣ و٢٢)، ﴿لا يظلم مثقال ذرة (٤: ٣٩): فالمعنى اللغوي بارز ظاهر، ولا أدنى إشارة الى اصطلاح علمي. فالقرآن أخذ بلغة قومه ونظرة زمانه الى ظواهر الكون، ولم يقصد إلى تحدّي الناس بالإِعجاز العلمي. وكيف فاتتهم عناصر التحدّي الثلاثة للمعجزة: العمل الخارق للطبيعة، التحدّي به، وسلامته من المعارضة لدى العالمين. فأي شيء من هذه العناصر الثلاثة لصحة المعجزة في ﴿الكونيات القرآنية؟! حسب أهل المنحى العلمي في موقف القرآن من كروية الأرض، فقال مثل أهل زمانه بأنها مبسوطة، ولذلك سمّوها ﴿البسيطة. انظر الى قوله: ﴿والله جعل لكم الأرض بساطاً (نوح ١٩) أي ﴿مبسوطة (الجلالان)، ﴿والأرض بعد ذلك دحاها (النازعات ٣٠) أي بسطها وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو (الجلالان): أهذا في النص والتفسير من العلم في شيء؟ وكل تعابيره تدل على أن الأرض مبسوطة لا كروية: ﴿واذا الأرض مُدّت (٨٤: ٣)، ﴿والأرض مددناها (١٥: ١٩)، ﴿وهو الذي مدَّ الأرض (١٣: ٣)، ﴿ألم نجعل الأرض مهاداً (٧٨: ٦)، ﴿جعل لكم الأرض مهداً (٢٠: ٥٣، ٤٣: ١٠)، ﴿جعل لكم الأرض فراشاً (٢: ٢٢)، ﴿والأرض فرشناها (٥١: ٤٨). ويلاحظ الجلالان أن قول القرآن يخالف قول ﴿علماء الهيئة. وهل صحيح أن الجبال رواسي تثبت الأرض وتمنعها أن تميد بالشر بحسب قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم (١٦: ١٥) أي ﴿جبالاً ثوابت تتحرك بكم (الجلالان). والمعجز عنده أن السماوات قائمة بغير عمد تحملها، وجبال الأرض تمنعها من أن تتحرك: ﴿خلق السماوات بغير عند ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم (٣١: ١٠). والعلم عنده أن السماء ﴿سقف للأرض: ﴿وجعلنا السماء سقفاً (٢١: ٣٢) أي ﴿سقفاً للأرض كالسقف للبيت (الجلالان).

ونحن نقول: إن هذه التعابير لغوية بيانية تقول بظواهر الكون كما فهمها أهل زمانه، ولا تشنيع على القرآن إذا أخذ بها بحسب اللغة ومجازها وبيانها. لكن هذا الواقع يمنع أمثال السيد طبارة من أن يرى معجزات علمية في بعض أوصاف القرآن الكونية مثل: وحدة الكون وسر الحياة (الأنبياء ٣٠)، نشأة الكون من دخان (فصلت ٩ - ١١)، تمدد الكون وسعته (الذاريات ٤٧)، تحركات الشمس والقمر والكرة الأرضية (يسن ٣٨ ـ ٤٠)، وجود أحياء في السماء (أي الفضاء الكوني) (الشورى ٢٩، الإسراء ٤٤، و٥٥، مريم ٩٣)، نقص الأوكسجين في الارتفاعات (الأنعام ١٢٥)، تقسيم الذرة (يونس ٦١)، الزوجية في كل شيء (الذاريات ٤٩)، تلقيح السحاب (النور ٤٣، الحجر ٢٢)، اهتزاز الأرض بسبب المطر (الحج ٥، حم السجدة ٢٧)، توازن العناصر الكونية (الرعد ٨، الحجر ١٩)، الأمواج الداخلية والسطحية (النور ٤٠)، عالم الحيوان والطير ﴿أمم أمثالكم فهو شبيه بعالم الانسان (الأنعام ٣٨)، مراحل نمو الجنين (المؤمنون ١٢ ـ ١٤)، أغشية الجنين في ﴿ظلمات ثلاث (الزمر ٦)، مصدر تكوّن الإنسان من ﴿الظهر (الأعراف ١٧٢)، كيفية تكوّن الذكر والأنثى من منيّ الرجل وحده الحامل صبغيات ذكرية أو أُنثويّة (القيامة ٣٧ ـ ٣٩)، الحيوان المنوي للانسان يشبه العلق (العلق ١ و٢)، اختلاف بصمات الانسان (القيامة ١ ـ ٤). إذا أضفنا اليها العسل الذي ﴿فيه شفاء للناس (النحل ٦٨ ـ ٦٩)، فتلك عشرون معجزة علمية للقرآن تشهد بأنه ﴿وحي إلهي (ص ٤٤ ـ ٥٩).

يقول السيد طبارة فيها: ﴿وهذه (تلقيح السحاب) مسألة لم يكن شيء منها يخطر ببال بشر قبل هذا العصر (ص ٥٤)، ﴿وهذه الآية (خلق الانسان من علق) معجزة بليغة من معجزات القرآن لم تظهر وقت نزولها ولا بعده بمئات السنين، الى أن اكتشف المكروسكوب وعُرف كيف يتكون الانسان من هذه الحيوانات (ص ٥٨). إن السيد طبارة بتسميته تلك الأوصاف الطبيعية ﴿معجزات يحيد عن جادة الصواب، لأنه ليس فيها شيء من شروط المعجزة كما حددها علماء الكلام، ولا اتخذها القرآن معجزة له على الإطلاق. وهو ﴿يحرف الكَلِم عن مواضعه ليقوّله ما لا يريد، ليرى فيه إِعجازاً علمياً. والقرآن نزل لعرب الحجاز قبل غيرهم، ونزل لهداية الناس قبل القرن العشرين؛ فلو صحّ فيه ما يرونه من إعجاز علمي، فقد خاطب القرآن أهل زمانه والمسلمين، قبل ثلاثة عشر قرناً بما لا طاقة لهم بمعرفته وفهمه، وخطاب يعجز الناس عن إدراكه ليس بمعجز على الإطلاق. والقول الفصل هنا أيضاً أن المعجزة منعت مبدئياً عن محمد، وامتنعت عليه واقعياً، فاكتشاف معجزات في القرآن تناقض معه ونقض له.

١١ ـ نختم، من حيث وجب أن نبدأ، بالسيد مصطفى صادق الرافعي في (إِعجاز القرآن، والبلاغة النبوية). صدر سنة ١٩٢٣. ولدي الطبعة الخامسة من سنة ١٩٥٢. لقد حاول الرافعي أن يفتح فتحاً جديداً في معجزة القرآن، غير ما تداوله أهل الإِعجاز، فجاء كتابة قسمين. الأول يحاول أن يجد معجزة تاريخية في ﴿تاريخ القرآن (ص ٣٠ - ٧٤) ﴿فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب (ص ١٧٥)، وفاته التفسير الصحيح لحديث الأحرف السبعة كما فصّله الطبري، ومعجزة لغوية في تخليد العربية بخلود القرآن (ص ٧٤ ـ ٨٦) وفاته تاريخ توحيد اللغات من قبل القرآن ومن بعده، فها التوراة تخلّد العبرية، والإنجيل يخلد اليونانية، ومعجزة سياسية في تكوين القرآن للعرب دولة تفتح العالم وتؤدبه بأدب القرآن (ص ٨٦ ـ ٩٩)، وفاته تاريخ تكوين الامم والامبراطوريات من قبل الإسلام ومن بعده، ومعجزة اجتماعية بالإِعجاز الأدبي الذي لقن الناس آداب الفطرة في الاجتماع الإنساني (٩٩ ـ ١٢٥)، وفاته أن الفتح العربي لم يأتِ دول الهند والفرس والروم إلا بالدين، واستجمع الإسلام حضارته من صفوة الحضارات المغلوبة، ومعجزة علمية، وهي على نوعين، الأول كان القرآن على أساس العلوم العربية كلها ـ وهذا لا مماراة فيه، والثاني ﴿الآيات الكونية والعلمية في القرآن (ص ١٢٦ ـ ١٥٥) فكان الرافعي على أساس القول بالإِعجاز العلمي المشبوه في القرآن. تلك خمس معجزات ليس فيها شرط من شروط المعجزة كما حدّدها المتكلمون من قبله. إنها من أفضال القرآن، لا معجزات له.

يبقى القسم الثاني الذي يسميه ﴿إِعجاز القرآن (ص ١٥٦) كما ورثه عن أسلافه. لكنه جدد البحث فيه وطوره الى مداه.

في فصل أول يفصّل ﴿تاريخ الكلام في القرآن (ص ١٦٠). فكانت أول مقالة بخلق القرآن للبنانية أو البيانية. وتلقفتها الجعدية ﴿فأضافت الى القول بخلقه أن فصاحته غير معجزة، وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها. نجمت مقالة الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، في دمشق فأخذها عنه الخليفة نفسه (ص ١٦١). وفي مطلع العهد العباسي بلغ التطرف قمته. فكانت ﴿الرافضة وعلى رأسهم الحَكَمية، جماعة هشام بن الحكم ﴿يزعمون أن القرآن بُدِّل وغُيِّر وزيد فيه ونُقص منه وحُرِّف عن مواضعه. ﴿أمّا إنكار أشياء من القرآن نفسه، على أنها ليست منه، فقد وقع لبعض الغلاة، كالعجاردة، الذين يُنسبون الى عبد الكريم بن عجرد، في أواخر المائة الأولى. فإنهم ينكرون أن سورة يوسف من القرآن لأنها قصة، زعموا (ص ١٦١).

وممن أنكر الإِعجاز في القرآن أيضاً ﴿الحسينية، أصحاب الحسين بن القاسم العناني، الذين يزعمون أن كتبهم وكلامهم أبلغ وأهدى وأبين من القرآن (ص ١٦٩).

﴿وأشدّهم بعد الجعْد بن درهم، عيسى ابن صبيح المُزْدار، وأصحابه المزدارية، ﴿يقولون إن القرآن غير معجز، لا بقوة القدر، ولا بضعف القدرة. ﴿وقد زعم أن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحةً ونظماً وبلاغة (ص ١٦٨ ـ ١٦٩).

وظهرت المعتزلة فحاولوا الجمع بين قول العامة وقول الخاصة، فنادت النظامية ﴿بأن الإِعجاز كان بالصَرْفة، وهي أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم عليها. فكان هذا الصرف خارقاً للعادة. قلنا: وكأنه من هذا القبيل هو المعجزة، لا القرآن (ص ١٦٢).

والجاحظ، مؤسس الجاحظية، كان على رأيين مختلفين. فكان أول من ألف ﴿نظم القرآن لبيان إِعجاز بيانه الذي جعله في لفظه ونظمه ـ وهو القول الحق الى اليوم. لكنه تستّر وراء مقالته بخلق القرآن وعدم إِعجازه بالقول المشهور عنه: ﴿إن القرآن جسم يجوز أن يُقلب مرة رجلاً ومرة حيواناً، أو مرة رجلاً ومرة أنثى (ص ١٦٥).

واختلف القوم حتى اليوم في وجه الإِعجاز. فنادى أهل الإِعجاز في كتبهم على اختلاف بينهم أنه الإِعجاز البياني، مثل الواسطي والرماني والباقلاني والجرجاني والخطابي والرازي وابن أبي الأصبع والزملكاني، مدة ثلاثماية سنة، على اختلاف في وجه الإِعجاز.

مع ذلك ﴿فشت مقالة بعض المعتزلة بأن فصاحة القرآن غير معجزة. ولجماعة من المتكلمين وأهل التقسيمات المنطقية، على اختلاف بينهم، شُبَهٌ ومطاعن يوردونها على القرآن، وهي نحو عشرين وجهاً (ص ١٦٧).

وعلى الجملة فأهل السنة والجماعة يقولون بإِعجاز القرآن البياني. أما المعتزلة عموماً فيقولون: ﴿إن الله لم يجعل القرآن دليلاً على النبوّة. والذين يقولون بالإِعجاز، فهم على خلاف في وجه الإِعجاز فيه. فقضية الإِعجاز القرآني مختلف فيها. وما أختُلف فيه لا يصحّ أساساً للعقيدة. وسنرى أن القرآن لا يعتبر إِعجازه معجزة له.

لكن الرافعي غالى على كل من سبقه فقال بالإِعجاز المطلق في القرآن، ﴿وإنه معجز من كل الوجوه، ﴿وإنما مذهبنا بيان إِعجازه في نفسه، من حيث هو كلام عربي (ص ١٧٦). مع ذلك وجه الإِعجاز عنده ان ﴿أسلوب القرآن (ص ٢١٣) ﴿مخالف لكل الأساليب، وهذه هي الناحية الأولى من إِعجازه. الناحية الثانية، ﴿سرّ الإِعجاز في النظم أي في تركيب الحروف والكلمات والجُمَل (ص ٢٣٨): إِعجاز النظم الموسيقي في الحروف وأصواتها (ص ٢٤١) وفي الكلمات وحروفها (ص ٢٤٩) بأصوات ثلاثة مجتمعة: صوت النَفَس وصوت العقل وصوت الحسّ، وفي الجُمَلِ وكلماتها، ﴿بنظم القرآن صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في التركيب، بذلك التناسب البديع في الترتيبات والروابط من ربط كل كلمة بأُختها، وكل آية بضريبتها، وكل سورة بما إليها. ﴿وهو علم عجيب أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره (ص ٢٧٧). ذلك هو الإِعجاز في التركيب والتأليف، وغرابة أوضاعه التركيبية هي شطر الإِعجاز في القرآن (ص ٢٨٣)، وهي الناحية الثالثة منه: ﴿كتاب واحد يستوفي وجوه البلاغة، أي الإِعجاز بسياستَي البيان والمنطق، أو ما يُقال له في العرف: البيان والبلاغة (ص ٢٩١). والناحية الرابعة منه هي وجه إِعجازه البياني: ﴿الطريقة النفسية في الطريقة اللسانية (ص ٢٧٧). والناحية الخامسة هي وجه إِعجازه  البلاغي، على سبيل الخطاب والجدل، لا على سبيل البرهان المنطقي إلا ما ندر (٢٩٩). وهذا الوجه كان أول من نبه اليه الفيلسوف ابن رشد. ٣٦

ويختم الرافعي كتابه بقوله: القرآن هو نفس الوحي، حيث الوحي هو المعجزة، والمعجزة هي الوحي. وذلك تمام إِعجازه. ﴿وهذا الحديث يجمع كل ما قدمناه من القول في إِعجاز القرآن، لأنه وحي بمعانيه وألفاظه، فهو بائن بنفسه من الكلام الإنساني. ولا بدّ أن يكون فائدة للناس ليعملوا، وصادقاً على الناس كافة ليستفيدوا، ومعجزاً للناس كافة ليصدّقوا (ص ٣٠٧).

وفات الأستاذ الرافعي فصل (الإتقان ١: ٤٤) ﴿في المنزل على النبي r ثلاثة أقوال: (أحدها) إنه اللفظ والمعنى، و(الثاني) إن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه r علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب، و(الثالث) أن جبريل ألقى اليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية. فالتنزيل الإلهي باللفظ والمعنى قول واحد من ثلاثة. وعليه يكون لفظ القرآن ونظمه، على قولين من ثلاثة، إمّا من جبريل، وإمّا من محمد نفسه. وهذا يقضي على نظرية الرافعي أن ﴿القرآن هو نفس الوحي، وأنه الإِعجاز المطلق.

ونظرية الرافعي تجعل الدين حرفاً، والوحي حرفاً، وأهلهما عبّاد الحرف. وذلك لارتباط الإِعجاز بحرفه ونظمه.

وبما أن حرف القرآن ونظمه هما من جبريل أو من محمد نفسه، على قولين من الثلاثة، فهذان القولان ينقضان إِعجاز القرآن نفسه بحرفه ونظمه.

فتاريخ الكلام في إِعجاز القرآن يقود أهل العصر من المسلمين أنفسهم، تجاه اختلاف السلف في وجه الإِعجاز على ايجاد فلسفة جديدة للقرآن يستعيضون بها عن المعجزة والإِعجاز.

ثانياً: فلسفة أهل العصر في النبوّة والمعجزة

إن علماء الإسلام اليوم، كما رأيت، في حيرة من أمرهم تجاه فلسفة المعجزة والنبوّة. فهم تجاه واقع قرآني صريح قائم، ﴿موقف القرآن السلبي من كل معجزة له، وتجاه خلاف أهل السنة والجماعة في وجه الإِعجاز القرآني، وتجاه أمر كلامي متشابه مشبوه في صحة إِعجاز القرآن معجزة له، منذ نادى المعتزلة ﴿بأن الله لم يجعل القرآن دليلاً على النبوّة.

إن أئمة العلماء المسلمين الذين لا يُؤخذون بالتقليد يشهدون أن لا معجزة في القرآن دليل النبوّة ـ ما عدا الإِعجاز البياني الذي سننظر فيه. وثبت لديهم أن ما توّهمه بعضهم معجزة للنبي في القرآن والحديث والسيرة، ﴿من المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح، ﴿ليس هناك آية قرآنية صريحة في القضية، ولا حديث واحد متواتر كما نقلنا عن الأستاذ عبد الله السمان.

وإِعجاز القرآن الذي اختلفوا في وجهه وفي مداه كان التحدّي به عابراً، وتجاه المشركين وحدهم. وعند لقاء أهل الكتاب في المدينة نسخه بآية (آل عمران ٧): ﴿منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وأُخَر متشابهات... وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. مع ذلك ظلّ بعضهم يتمسك به دليلاً على النبوّة، لعلمهم بضرورة المعجزة لصحة النبوّة، وليس في القرآن غيره.

لكن بما أن القرآن لا يعتبر إِعجازه معجزة له، ولا يصحّ الإِعجاز البياني الذي هو لخاصة العرب معجزة للعالمين، فقد اضطر هذا الواقع القرآني والكلامي أئمة العلماء في عصرنا أن يأتوا بفلسفة جديدة في النبوّة والمعجزة. ونحن ندرس الآن بعض نظرياتهم.

          ١ ـ قيل: لا ضرورة للمعجزة لصحة النبوّة

إن أهون سبيل للخلاص من ذلك الواقع المرير في القرآن، هو المناداة بأن لا ضرورة للمعجزة في بيان صحة النبوّة. بدأ هذه الفلسفة الجديدة حسين هيكل في (حياة محمد، ص ٤٩٠): ﴿ما كان محمد بحاجة الى الخوارق لإثبات رسالته. وأيده في ذلك شيخ الأزهر في مقدمة الكتاب. وسرت النظرية الجديدة بين القوم. ففي (سيرة الرسول ١: ٢٢٦) يعلن الأستاذ دروزة: ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته كما نقلنا عنه. وجاء الأستاذ العقاد، في كتاب المؤتمر الإسلامي (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص ٥٩) فأكمل النظرية: كانت الرسالة المحمدية ﴿غير مشروطة بما غَبَرَ في الأوهام من قيام النبوّة كلها على دعوى الخوارق والإنباء بالمغيّبات. فالمعجزة والإنباء بالغيب أمسيا ﴿من الأوهام في البرهان على النبوّة. وهكذا ظنّوا أنهم تخلصوا من مرارة الواقع القرآني ﴿وموقفه السلبي من كل معجزة لمحمد. لكن هذا الواقع الخطير المرير قد ألجأهم الى منطق غير مقبول.

إنّ قولهم بعدم ضرورة المعجزة لصحة النبوّة ينقضه صريح الكتاب والإنجيل والقرآن، حيث المعجزة دليل النبوّة الأوحد، كما نقلنا في صدر هذا الكتاب. فالقرآن نفسه ـ الذي يعلن منع المعجزة مبدئياً عن محمد (الإسراء ٥٩) وعجزه واقعياً عنها (الإسراء ٩٣) ـ يصرّح أيضاً أن المعجزة ﴿سُنّة الأولين من النبيّين (الكهف ٥٥)، وفيها ﴿السلطان المبين دليلاً على صحة رسالتهم وصدق دعوتهم (غافر ٢٣). وهذه السُنّة الإلهية في النبوّة لن تتحول ولن تتبدّل: ﴿فهل ينظرون إلا سُنّة الأولين: فلن تجد لسُنّة اللهِ تبديلاً، ولن تجد لسُنّة اللهِ تحويلاً (فاطر ٤٣). فالتنكّر لضرورة المعجزة لصحة النبوّة نقض مفضوح لنص القرآن القاطع الصريح.

وذلك القول عند علماء العصر ينقض أيضاً ما تواتر في علم الكلام عند أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل القرآن، خصوصاً عند المتكلمين المسلمين. فقد ظلوا على الدوام ينادون بأن المعجزة دليل النبوّة الأوحد. وقد فلسف الجويني ذلك في (الارشاد، ص ٣٣١) كما نقلنا عنه في صدر الكتاب: ﴿لا دليل على صدق النبي غير المعجزة. فإن قيل: هل في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة! ـ قلنا: ذلك غير ممكن. فعلم الكلام في جميع الأديان يثبت: أن لا نبوّة بدون معجزة.

وهذه الضرورة حملت علماء الكلام ـ وقد شاهدوا فراغ القرآن من كل معجزة حسية على ابتكار معجزة (إِعجاز القرآن) دليلاً على نبوّة النبي العربي. وهذا ما يقول به علماؤهم إلى يومنا. وهكذا فهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم: إنهم ينفون ضرورة المعجزة، مع أنهم يقوّمون إِعجاز القرآن معجزة له كما يقول شيخهم، حسين هيكل: ﴿إن كتاب الله هو وحده معجزة محمد ٣٧ . هذا ما كان يقوله أصحاب نظرية (إِعجاز القرآن)، مثل شيخهم الباقلاني ٣٨ ﴿الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إِعجاز القرآن أن نبوءة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة.

فتنكرهم لضرورة المعجزة هو إنكار لإِعجاز القرآن نفسه كمعجزة.

          ٢ ـ أصحيح أنه ﴿ليس للمعجزات حجيّة؟

هذا ما تعلمه الدكتور نظمي لوقا من مشايخه العصريين. وقد أعطى الأستاذ دروزة السبب الكلامي: كانت الدعوة القرآنية ﴿في غنى عن معجزات خارقة للعادة، لا تتصل بها بالذات.

أجل إن المعجزة الإلهية التي تشهد للنبي بصدقه فيمَا يبلّغ عن ربه، لا توضح بحدّ ذاتها الحقيقية أو الرسالة في نفسها، فإنها ﴿لا تتصل بها بالذات.

ولكن الحقيقة، سواء كانت منزلة أو بشرية، هي حقيقة في ذاتها. فما الضامن أنها من عند الله؟ لا يمكن أن يكون الضامن من ذاتها ـ وحينئذٍ تلتبس علينا الحقيقة الإلهية والحقيقة البشرية ـ فلا بدّ لها من قرين معجز يدلنا على مصدرها الإلهي. قال الإمام الجويني في (الارشاد، ص ٣٣١): ﴿ليس في المقدور نصب دليلٍ على صدق النبي غير المعجزة: فإن ما يقدَّر دليلاً على الصدق لا يخلو، إمّا أن يكون معتاداً، وإما أن يكون غير معتادٍ، فإن كان معتاداً (كالحقيقة في ذاتها) يستوي به البَرّ والفاجر، فيستحيل كونه دليلاً، وإن كان خارقاً للعادة ـ وتعلّق به دعوى النبي ـ فهو المعجزة بعينها.

وهكذا فالحجيّة للمعجزة وحدها في إثبات صحة النبوّة من الله، ﴿وليس في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة.

          ٣ ـ هل تنقضي دلالة المعجزة بانقضاء زمانها؟   

قال الأستاذ دروزة ٣٩ في سبيل تفضيل (إِعجاز القرآن) على معجزات الأنبياء الحسيّة، وهو يغمز منها: ﴿وفي هذا ما فيه من وضوح مزيّة الرسالة المحمدية وترشحها للخلود والتعميم: وآيات الأنبياء السابقين الخارقة حادثات وقعت وانقضت. وردّد تلميذهم الدكتور نظمي لوقا ٤٠ : ﴿وأما المعجزات فلا حجيّة لها إلاّ لمن شهدها شهود العيان، وبيننا وبين تلك أجيال وأجيال. وهكذا فإن دلالة المعجزة تنقضي بانقضاء زمانها، على حدّ قولهم.

أجل إن ﴿آيات الأنبياء السابقين الخارقة حادثات وقعت وانقضت، لكن دلالتها البرهانية على صدق نبيّها لم تنقضِ معها. وها القرآن نفسه يشهد بعد ألفي سنة بدلالة معجزات موسى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءَهم (الإسراء ١٠١). وما قصص الأنبياء في القرآن سوى دليل قاطع على أن دلالة المعجزة لا تنقضي بانقضاء زمانها.

إن معجزات الأنبياء قد انقضت كحادثات، لكنّها أدت مهمتها في زمن النبوّة شهادة لها، وبدونها لم يكن للنبوّة من شهادة. وما زالت تؤدّي مهمتها إلى الأبد، فالنبي الذي ثبت بالمعجزة أنه يتكلم باسم الله، سيظل كلامه كلام الله إلى الأبد. فدلالة معجزته تدوم دوام كلامه.

والقرآن شاهد عدل على أن المعجزة دليل النبوّة بعد آلاف السنين. فلما نادى محمد بنبوته، كان تحدي المشركين له على الدوام بمعجزة مثل سائر الأنبياء: ﴿فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون (الأنبياء ٥)، ﴿لن نؤمن حتى نُؤتى مثل ما أُوتي رسل الله (الأنعام ١٢٤). فالقرآن يشهد بأن دلالة المعجزة لا تنقضي بانقضاء زمانها.

          ٤ ـ هل المعجزة الحسية ﴿دليل عهد الطفولة العقليّة؟

لقد أوجز السيوطي في (الإتقان ٢: ١١٦) موقف الأقدمين، قال: ﴿إن المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي، سالم عن المعارضة. وهي إما حسية وإما عقلية. وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلّة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم. ولأن هذه الشريعة، لما كانت باقية على صفحات الدهر الى يوم القيامة، خُصّت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذو البصائر.

وهذا ما يردّده علماء العصر، مثل الأستاذ عبد الله السمان ٤١ : ﴿ولكن الله عزّ وجلّ أراد أن يرفع من قدر الرسالة فيجعلها عقلية منطقية تخاطب العقل والمنطق، وأيدها بكتاب الله ليعيش معها الى أن يرث الله الأرض ومن عليها كآية خالدة معجزة.

وقال السيد الصادق ٤٢ : ﴿وما كان الله ليمدّ النوع الإنساني في طفولته بما يحفظ به حياته الروحية، ثم يدعه بعد أخذ سبيله الى النظر العقلي والاستقلال الفكري دون أن يقيم له من الأدلة ما يتناسب والارتقاء الذي انتهى اليه: فكان أن بعث محمداً r وأيده بالمعجزة العلمية والحجة العقلية، وهو القرآن الكريم.

نقول: إن هذا فرض نظريات على تاريخ البشرية ما أنزل الله بها من سلطان. نتساءَل: ألم تكن جاهلية الحجاز حين الدعوة القرآنية في طفولة عقلية بعد دعوة المسيح في فلسطين بستماية سنة ونيّف، تحت حكم الدولة الرومانية والثقافة الهلنستية والكتابية؟ فحين الدعوة المسيحية كانت فلسطين ملتقى الحضارات والثقافات، وقد بلغت ﴿سن الرشد أكثر مما سيحلم به الحجاز في الجاهلية؛ ومع ذلك فقد كانت المعجزة الحسية دليل النبوّة في الإنجيل، مع مخاطبة العقول والضمائر.

فليست المعجزة الحسية دليل عهد الطفولة العقلية، ولم تكن ﴿أكثر معجزات بني إسرائيل (في زمن المسيح) حسية لبلادتهم وقلّة بصيرتهم، انما كانت معجزات المسيح برهان النبوّة والشخصية لأنه ﴿ليس في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة.

والقرآن نفسه شاهد عدل: فأهل مكّة ظلوا يطالبون محمداً بمعجزة حسية طول عهد النبوّة حتى عجز وأقرّ بعجزه (الأنعام ٣٥) وقرّر القرآن أن المعجزة منعت عن محمد منعاً مبدئياً مطلقاً (الإسراء ٥٩). فهل تلك المطالبة بمعجزة كالأنبياء الأولين كانت عند أهل مكّة دليل عهد الطفولة العقلية؟ أم هل كانت جاهلية العرب يوم الدعوة القرآنية في عهد ﴿النظر العقلي والاستقلال الفكري، بينما رومة وأثينا وأنطاكية والاسكندرية كانت كلها في ﴿عهد الطفولة العقلية؟

          ٥ ـ أصحيح أنَّ ﴿المعجزات لم تصلح من قبلُ وسيلة لإقناع؟

قال الأستاذ عبد الله السمان ٤٣ : ﴿وقد شقّ محمد لدعوته طريقه الى القلوب والعقول غيرَ مؤيَّد بالخوارق ـ التي لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع.

نسجل على الأستاذ تصريحه المتواتر بأن الدعوة القرآنية لم تؤيّد بمعجزة. لكن نأخذ عليه وعلى أمثاله فلسفة هذا الواقع القرآني: ﴿إن المعجزات لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع.

وها الكتاب شاهد على أن الدعوة الموسوية لم تنجح في مصر، ولم تنجح مع بني إسرائيل إلا بفضل المعجزة. وها الدعوة المسيحية فإنها لم تنجح وتكتسح العالم، إلا بفضل المعجزة، وقيامة المسيح ورفعه حياً الى السماء، وذلك معجزة المعجزات.

والقرآن نفسه شاهد عدل على أن الدعوة السماوية تقوم أولاً على المعجزة. فإن القصص القرآني يشغل حيزاً كبيراً من القرآن، وما يقصّه إلا للتمثيل لأهل زمانه المشركين. وكل قصصه يقوم على ذكر الدعوة والمعجزة التي أيدتها، ويختمه بمثل قوله: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس (العنكبوت ٤٣، الحشر ٢١)، ﴿يضرب الله الأمثال (الرعد ١٧، إبراهيم ٢٥، النور ٣٥)، ﴿وضربنا لكم الأمثال (إبراهيم ٤٥). فجدلية القرآن مع المشركين في قصصه هي لإقامة الحجة عليهم بدعوة الرسل ومعجزاتها.

والقرآن المكي صراع متواصل مع المشركين على تحدّيهم محمداً بمعجزة كالأنبياء الأولين لكي يؤمنوا به: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أُوتي رسل الله (الأنعام ١٢٤)؛ ثم يتهمون النبي بشتى التهم إذ لم يأتهم بآية معجزة: ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (الأنبياء ٥). ويذهبون الى الأقسام المغلّظة أنهم يؤمنون اذا جاءَهم محمد بمعجزة: ﴿وأقسموا بالله جهد إيمانهم: لئن جاءَتهم آية ليُؤمنُنَّ بها! قل: انما الآيات عند الله! (الأنعام ١٠٩). إنَّ أهل مكّة يجادلون محمداً في المعجزة وسيلة للإقناع. فالمعجزة دليل النبوّة الأوحد في نظرهم وفي نظر القرآن. لذلك يسجل عجزه عن معجزة، وامتناعهم عن الإيمان: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا، اذ جاءَهم الهدى... إلاّ أن تأتيهم سُنّة الأولين (الكهف ٥٥). فالمعجزة ﴿سلطان الله المبين للبرهنة على صحة النبوّة مع الأولين ومع الآخرين ومع العالمين.

فما من رسالة من السماء آمن بها الناس إلا عن طريق المعجزة. لذلك هي الشهادة القاطعة في التوراة والإنجيل والقرآن. إنها الوسيلة الوحيدة لإقناع الناس، والواقع القرآني شاهد عدل.

فالقول بأن الخوارق لم تصلح وسيلة للإقناع ينقض القرآن الصريح والتاريخ الصحيح.

          ٦ ـ هل سبيل النبوّة الصحيح هو الإقناع بالمنطق السليم؟

قيل: ﴿بعد أن بلغ الناس سنّ الرشد، لا يصلح لإقناعهم سوى المنطق السليم. وقال السيد الصادق ٤٤ : ﴿فلما بدأ النوع الإنساني يدخل في سن الرشد، وبدأت الحياة العقلية تأخذ طريقها الى الظهور والنماء، لم تعد تلك العجائب هي الأدلّة الوحيدة على صدق الرسالة.

نقول: إن مثل هذه الأقوال يتنافى وواقع التاريخ والبشرية. إن دعوة المسيح، بشهادة الإنجيل والقرآن، قامت على المعجزة، وكانت بيئة المسيح ملتقى الحضارات وجماع الثقافات؛ فخاطبهم بالحكمة والمعجزة. فهل بلغت بيئة القرآن الجاهلية سن الرشد حين نزول القرآن، أكثر من أهل فلسطين تحت الحكم الروماني والثقافة الكتابية والهلنستية، حتى يخاطبهم بالحكمة من دون المعجزة؟!

وهل بلغت الجماهير في العالم الإسلامي، في عصرنا، سن الرشد، حتى لا يصلح لإقناعهم سوى المنطق السليم؟ إن الناس الذين يُقادون أو ينقادون بالمنطق السليم في البشرية كلها، هم قلّة محدودة في كل أمة. وستظل البشرية في سوادها شعباً لا يفهم الحق بالمنطق السليم، ولا تؤمن إلاّ عن طريق المعجزة، لأنها بالفطرة ﴿سلطان مبين من الله، و﴿سُنّة النبيّين الى يوم الدين.

والقرآن المكي شاهد عدل على أن سبيل النبوّة الصحيح ليس الإقناع بالمنطق السليم. فقد ظل القرآن يخاطب أهل مكّة ﴿بالحكمة والموعظة الحسنة مدة اثنتي عشرة سنة، فما أقنعهم بالمنطق السليم، وظلوا طول العهد المكي يقولون: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أُوتي رسل الله (الأنعام ١٢٤)، فجاءَهم من المدينة ﴿بالحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس فرضخوا لسلطانه. فبيئة القرآن نفسها لم تقبل منطق ﴿الحكمة والموعظة الحسنة، بل تحدت محمداً بمنطق المعجزة.

وهل كانت دعوةً بالمنطق السليم، في المدينة، الدعوةُ التي تشرع الجهاد في سبيل فرض النبوّة؟ وهل كانت دعوة الى العقول والقلوب والضمائر، تلك الدعوة التي يشهد كتابها أن ﴿فيه آيات محكمات هن أُم الكتاب، وأخر متشابهات... وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: ﴿آمنا به (آل عمران ٧) أي ﴿آمنا بالمتشابه أنه من عند الله، ولا نعلم معناه (الجلالان)؟ فهل هذا هو المنطق السليم، وسبيل النبوّة الصحيح؟ فهل خطاب الناس ﴿بمتشابه القرآن ـ وهو أكثره ـ جواب على بلوغ البشرية سن الرشد، والسبيل الصحيح لإقناعها بالمنطق السليم، ﴿الذي لا يعلم تأويله إلا الله؟

إن سبيل النبوّة الصحيح هو الحكمة والمعجزة. ولا تقوم حكمة من عند الله بدون معجزة. فالمعجزة دليل النبوّة الأوحد، ووسيلة الإقناع الوحيدة على صحة النبوّة والحكمة المنزلة ﴿وليس في المقدور نصْب دليل على صدق النبي غير المعجزة.

          ٧ ـ هل ﴿الآية الكبرى هي صدق الكلمة، وصدق النبي؟

يقول الأستاذ نظمي لوقا: ﴿الآية الكبرى هي صدق الكلمة من حيث هي: فإن الحقيقة آية نفسها تحمل برهانها في مضمونها، فيطمئن اليها العقل، ويبدو ما يباينها هزيلاً واضح البطلان. هذا هو مقياس النبوّة الأول. وقد رأينا بطلانه. فهو يضع الوحي والتنزيل موضع العقل والمنطق، ويضفي صفة الوحي على كل حقيقة بشرية.

ومقياس النبوّة الثاني في صدق الرسول. وهو مزدوج: ﴿آية صدقه ما أتانا به في مطابقة الوحي للحقيقة، ﴿وإن أول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة هو مبلغ إيمانه بها. هذا منطق غريب يدور في حلقة مفرغة: الكلمة منزلة لأنها صادقة، وهي صادقة لأنها منزلة! النبي صادق لأن نبوته صادقة، ونبوته صادقة لأن النبي صادق.

وهذا التخريج لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع القرآني. يقول: ﴿إن أول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة هو مبلغ إيمانه بها. فهل استشهاد سقراط في سبيل فلسفته دليل على أنها منزلة؟ وهل استشهاد الحلاّج في سبيل الحلولية المطلقة برهان على أنها الحقيقة؟ وهل إيمان الفلاسفة والعلماء بنظرياتهم برهان على أنها منزلة من الله؟

وهذا المقياس ينقضه أيضاً الواقع القرآني: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك: لقد جاءَك الحق من ربك! فلا تكوننَّ من الممترين! ولا تكوننَّ من الذين كذبوا بآيات الله، فتكون من الخاسرين (يونس ٩٤ - ٩٥). والتحذير الشديد لمحمد برهان على أن الشك من التنزيل قد بلغ في نفسه مبلغاً. ويلاحقه القرآن: ﴿فلا تكوننَّ من الممترين (الأنعام ١١٤، يونس ٩٤، البقرة ١٤٧)، ﴿فلا تكُ في مرية منه، إنه الحق من ربك (هود ١٧)، ﴿فلا تكُ في مرية ممّا يعبد هؤلاء (هود ١٠٩).

ويدعوه القرآن مراراً الى الاستقامة في دعوته: ﴿فاستقم كما أمرت ومَن تاب معك، ولا تطغوا، إنه بما تعملون بصير (هود ١١٢)، ﴿فلذلك (دين إبراهيم وموسى وعيسى) فادعُ واستقم، كما أُمرت، ولا تتبع أهواءَهم، وقلْ: آمنت بما أنزل الله من كتاب (الشورى ١٥). نقل الزمخشري في تفسير ﴿فاستقم كما أمرت (هود ١١٢) عن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله r في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال: (شيّبني هود)! وعن بعضهم: ما الذي شيّبك منها! قال: ﴿فاستقم كما أمرت. ثم قال: أفتقر الى الله بصحة العزم.

والأزمات الإيمانية متواترة في القرآن ٤٥ . وهي واقع قرآني لا مرية فيه. فكيف ﴿يكون أول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة، هو مبلغ إيمانه بها؟

وإن صحّ هذا المقياس، فما البرهان على أن النبي - كل نبي - ليس موهوماً؟! فما البرهان أن الوحي عنده ليس وحي الفطرة، بل وحي الله؟ إن إخضاع صحة الوحي للعامل النفساني هو أكبر شبهة عليه، إلاّ عصمة إلا الله.

وعصمة الله في التنزيل لا تقاس على ﴿مبلغ إيمان النبي به، ولا ﴿على صدق الكلمة من حيث هي. فالتنزيل من الله، لا يؤيده شيء من الانسان، انما يؤيده شيء من الله نفسه، وهذا هو المعجزة.

          ٨ ـ هل القرآن ﴿أسلوب جديد في النبوّة؟

قال الأستاذ دروزة يفلسف حكمة الله في منع المعجزات عن محمد دلائل على صحة نبوته:

﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام، وبرهاناً على صحة رسالته وصدق دعوته ـ التي جاءَت بأسلوب جديد هو أسلوب لفت النظر إلى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها... ثم أسلوب مخاطبة العقل والقلب... (وهذا الأسلوب الجديد) جعلها في غنى عن معجزات خارقة للعادة لا تتصل بها بالذات... هو أسلوب خالد حي قوي في كل زمان ومكان ببراهينه ودلائله وحيويته ونفوذه وفصاحته ومعقوليته ومنطقه وسمّوه. ولذلك كان وظل معجزة النبوّة الخالدة الكبرى من هذه النواحي.

أجل إن أسلوب القرآن ﴿حي خالد قوي... ببراهينه ودلائله وحيويته ونفوذه وفصاحته ومعقوليته ومنطقه وسمّوه. لكن هل هو ﴿أسلوب جديد؟ وهل قبل به أهل مكّة برهاناً على صحة النبوّة والدعوة؟ نضيف الى ما قلناه سابقاً هذه الاعتبارات.

١) لم يقبل أهل مكّة ﴿بالأسلوب الجديد في القرآن معجزة له. يكفينا شهادة الأستاذ دروزة نفسه ٤٦ : ﴿فوقف الزعماء إزاء هذا الموقف القرآني من تحديهم، وأخذوا يطالبون النبي r بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه أولاً. ثم أخذوا يدعمون مطالبهم بتحدٍّ آخر وهو سُنّة الأنبياء السابقين الذين جاؤوا بالآيات والمعجزات... ولقد تكرر طلب الآيات من الجاحدين، أو بالأحرى زعمائهم، كثيراً حتى حكى القرآن المكي ذلك عنهم خمساً وعشرين مرة صريحة، عدا ما حكي عنهم من التحدّي الضمني، ومن التحدّي بالإتيان بالعذاب والتساؤل عن موعده. ولا نعدو الحق اذا قلنا إن المستفاد من الآيات القرآنية المكية أن الموقف تجاه هذا التحدّي المتكرر كان سلبيّاً.

فالواقع القرآني شاهد عدل على أن هذا ﴿الأسلوب الجديد في القرآن لم يكن برهاناً على صحة النبوّة والدعوة، ولا قام عند العرب مقام المعجزة دليلاً على صحة النبوّة. فلم يكن هذا الأسلوب الجديد ﴿في غنى عن معجزات خارقة للعادة.

٢) وهل كان ﴿أسلوب لفت النظر الى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها ﴿أسلوباً جديداً في النبوّة؟

ألم يكن ﴿أسلوب لفت النظر الى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها على صحة التوحيد أسلوب ﴿الكتاب والحكم (الحكمة) والنبوّة الذي أُمر محمد أن يقتدي به (الأنعام ٩٠)؟ أجل لقد كان أسلوب الكتاب والأنبياء كأشعيا، وأسلوب الزبور، وأسلوب الحكمة، وأسلوب الإنجيل. ففي عرف الكتاب كله، أن الخليقة تدل على خالقها.

نكتفي من الكتاب بقول الحكمة: ﴿إن جميع الذين لا يعرفون الله هم حمقى من طبعهم. لم يقدروا أن يعلموا الكائن من الآيات المنظورة؟ ولم يتأملوا المصنوعات حتى يعرفوا صانعها (سفر الحكمة: ف ١٣ كله).

وقال الأستاذ العقاد يصف إِعجاز الإنجيل في دعوة السيد المسيح ٤٧ : ﴿وذوق الجمال بادٍ في شعوره، كما هو بادٍ في تعبيره وتفكيره. والتفاته الدائم الى الأزهار والكروم والحدائق التي يكثر من التشبيه بها في أمثاله، عنوان لما طبع عليه من ذوق الجمال والاعجاب بمحاسن الطبيعة. وكثيراً ما كان يرتاد المروج والحدائق بتلاميذه، ويتخذ من السفينة على البحيرة ـ بحيرة طبريا ـ منبراً يخطب منه المستمعين، على شاطئها المعشوشب، كأنما يوقع كلامه على هزّات السفينة، وصفقات الموج، وخفقات النسيم. ولم يؤثر عنه أنه ألف المدينة كما يألف الخلاء الطلق، حيث يقضي سويعات الضحى والأصيل، أو سهرات الربيع، في مناجاة العوالم الأبدية، على قمم الجبال، وتحت القبة الزرقاء... وهم يُصغون بأسماعهم وقلوبهم الى ذلك المعلم المحبوب الذي كان يناجيهم بالغرائب والغيبيات مأنوسة حية.

والشعر والحكمة والصوفية فطرة في السيد المسيح. فيأخذ من مظاهر الكون، بالمنطق الفطري السليم، براهينه على عناية الله بخلقه: ﴿أني أقول لكم: لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون! ولا لأجسادكم بما تلبسون! أليست النفس أعظم من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا الى طيور السماء، فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع الى أهراء، وأبوكم السماوي يقوتها: أفلستم أنتم أفضل منها بكثير! ... تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو: إنها لا تتعب ولا تغزل، وأنا أقول لكم: إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها! فإذا كان عشب الحقل الذي يكون اليوم، ويُطرح في التنور غداً، يلبسه الله هكذا، فكم بالأحرى يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان! ... وأبوكم السماوي عالم بأنكم تحتاجون الى هذا كله: فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كله يُزاد لكم (متى ٦: ٢٥ ـ ٣٣). هذا هو منطق الفطرة السليم. وهو الأسلوب المعجز في لفت النظر الى الكون وآياته. لكن السيد المسيح يقرن الحكمة بالمعجزة لأنهما جناحا التنزيل في الإنجيل.

وبولس، رسول المسيح، يسير على خطى معلمه، فيخاطب أهل رومية، عاصمة المسكونة، مستعلياً بالحكمة المنزلة على الحكمة الهلنستية الرومانية: ﴿إن ما يعرف عن الله واضح لهم، فقد أبانه الله لهم: فمنذ خلق العالم، لا تزال صفاته الخفية، لا سيما قدرته الأزلية وإلهيته، ظاهر للبصائر في مخلوقاته. فلا عذر لهم، لأنهم عرفوا الله ولم يمجدوه ولم يحمدوه كما ينبغي لله، بل تاهوا في آرائهم الباطلة، فأظلمت قلوبهم الغبية. زعموا أنهم حكماء، فإذا هم حمقى، قد استبدلوا بمجد الله الخالد صوَراً تمثل الانسان الزائل والحيوان من طير ودابة وزحافات (١: ١٩ ـ ٢٣).

فلم يأتِ القرآن ﴿بأسلوب جديد في النبوّة والدعوة. إنما سار على مثال الكتاب كله، إمامه في الهدى والبيان: ﴿ومن قبله كتاب موسى إِماماً ورحمةً، وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً (الأحقاف ١٢، هود ١٧)، فليس فيه من جديد سوى اللسان العربي، وذلك بشهادته الصادقة القاطعة. وهو إنما كان ﴿يعلمهم الكتاب والحكمة (البقرة ١٢٩، آل عمران ١٦٤، الجمعة ٢) أي ﴿التوراة والإنجيل (آل عمران ٤٨، المائدة ١١٠). ويؤكد: ﴿هذا ذكر مَن معي وذكر من قبلي (الأنبياء ٢٤)، ﴿وإنه لذكر لك ولقومك (الزخرف ٤٤)، ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزبر (النحل ٤٣ ـ ٤٤). إن ﴿الذكر القرآني ينتسب إلى ﴿أهل الذكر أي أهل الكتاب، ويستشهد بهم على صحة دعوته. هذا هو أسلوب القرآن، لا غيره.

لقد جاء الكتاب والإنجيل بهذا ﴿الأسلوب الجديد، ﴿أسلوب لفت النظر إلى الكون وما فيه من آيات باهرة، والبرهنة بها. لكن الكتاب والإنجيل قرنا الحكمة بالمعجزة. واقتصر القرآن وحده على الحكمة بدون معجزة.

٣) فهل اقتصار القرآن على ﴿الأسلوب الجديد المزعوم هو ﴿معجزة النبوّة الكبرى الخالدة؟ وهل يصحّ هذا ﴿الأسلوب الجديد برهاناً على صحة النبوّة وصدق الدعوة؟

إن أسلوب البرهنة بآيات الخليقة على خالقها هو أسلوب جميع المتكلمين في التوحيد، من أهل الكتب السماوية، ومن أهل الفلسفة والكلام في كل الأديان. فليس هو مقتصراً على القرآن وحده، ليكون ﴿معجزة النبوّة الكبرى الخالدة!

وهذا ﴿الأسلوب الجديد يعني اقتصار التوحيد المنزل على التوحيد العقلي كأنه ليس في تنزيل الله من غيبه ما يسمو على الانسان وعقله! فلو لم يكن عند الله ما هو أسمى من الفطرة ومن العقل لَمَا أنزله الله! فما يقدر عليه العقل بفطرته لا حاجة لنا الى وحي به. هذا هو منطق البوذية والبرهمية: لا نبيَّ سوى العقل!

ثم ان إنزال الوحي منزلة العقل هو جعْل العقل حكماً على التنزيل. وهذا هو موقف الدهريين في كل زمان. إنه تلبيس الوحي بالمنطق. وقد قالوا: ﴿مَن تمنطق تزندق!

وإن قياس الحقيقة المنزلة على الحقيقة البشرية وبميزانها يضطرّنا الى اعتبار كل حقيقة عقلية أو علمية منزلة، واعتبار كل كتاب بشري ـ حتى من ملحد ـ يعلم الحقيقة منزلاً! إذ لم يبق من سبيل الى التمييز في الحقيقة بين وحي الله وفيض العقل.

وإِعجاز القرآن كدليل على وحي الله به، ﴿لاجتماع الدليل والمدلول عليه فيه، لا يتخطى اللغة العربية، وللخاصة من أهلها، ويذوب في الترجمة الى لغات العالمين، فتبقى الحقيقة المنزلة للعالمين أجمعين بدون دليل على صحتها ومصدرها. وإرغام العالمين على معرفة العربية، حتى ذوق الجمال الفنّي في القرآن، هو تكليف الناس بما لا طاقة لهم به، ويخالف سنن الله في خلقه، ﴿ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.

النتيجة الحاسمة إن الحقيقة في كلام الخالق وكلام المخلوق واحدة في ذاتها: فلا شيء في ذاتها يدلّ على مصدرها، من حيث هي حقيقة. لذلك لا يميز الحقيقة، من حيث مصدرها، في كلام الله، عنها في كلام الانسان، سوى دليل إلهي خارج عنها وهذا الدليل الإلهي، قرين الحقيقة المنزلة للدلالة على مصدرها وعلى عصمتها، هو المعجزة. فلا نبوّة بل معجزة.

          ٩ ـ هل ﴿كل رسول تكون معجزته من جنس ما نبغت فيه أُمته؟  

هي مقالة السيد عفيف عبد الفتاح طبارة في كتابه (روح الدين الإسلامي، ص ٣٠)، تواترت إليه عمن سبقه اليها من أمثاله. فاختار الله معجزة لمحمد الإِعجاز البياني في القرآن، لأن ﴿العرب كانت مفطورة على حب البلاغة والأدب والشعر والخطابة (ص ٢٧). لقد بحثنا نظرية السيد طبارة. هنا نتوقف على هذه المقالة، تتميماً لفلسفة أهل العصر في النبوّة والمعجزة.

إن كتب الأدب لا تعرف لعرب الجاهلية سوى الشعر الغنائي، وتجهل عندهم الشعر الملحمي والمسرحي. ولا تذكر لهم من الخطابة ما يستحق الذكر. ناهيك عن سائر الفنون الأدبية. وهذا الواقع لا يقاس أبداً بما كان في أثينة ورومة والاسكندرية وأنطاكية. فلم ينبع العرب في الإِعجاز البياني والبلاغي، قبل القرآن، الى بعض ما نبغت فيه تلك العواصم، في عهدها الوثني كما في عهدها المسيحي.

وهل يقاس الأدب الجاهلي بما في الكتاب القدسي من تشريع وتاريخ وشعر وخطابة وقصص وملحمة، حتى ندّعي أن بني قومنا في جاهلية الحجاز نبغوا فيه أكثر من بني عمومتهم؟

والسيد طبارة يُناقض نفسه حين يزعم للقرآن معجزات علمية لم يكتشفها فيه العرب قبل القرن العشرين: فهل نبغوا في العلوم الكونية حتى تكون هذه المعجزات العلمية ﴿من جنس ما نبغت فيه أمته!

وهب أن السيد طبارة يتكلم عن العرب وحدهم ونبوغهم في فن الكلام: فهل إِعجاز بياني وبلاغي في خطابهم، يكون معجزة للعالمين؟ وسنرى أن القرآن لا يعتبر إِعجازه معجزة للعالمين، ولا للعرب الكتابيين.

          ١٠ ـ هل من ﴿المستحيل أن تخلو سيرة النبي من معجزات تشهد له؟

لقد درسنا مقالة الشيخ عبد الكريم الخطيب. نقف هنا عند منطقه من وجود المعجزة شهادة للنبوّة. انها قضية مبدأ: محمد نبي، فلا بدّ من المعجزات تشهد له، لذلك فهي قائمة ملموسة. يقول: ﴿إذا كان من الممكن أن يُسلّم عقلاً بأن تخلو سيرة الرسول الى مبعثه من إشارات ودلالات تشير إلى النبوّة وتحدّث عنها... اذا كان من الممكن أن يُسلّم بهذا ـ وهو ما لا يمكن أن يُسلّم به أو يقبل بحال أبداً ـ فإن عدم التسليم بهذا في الفترة السابقة من حياة النبي قبل مبعثه يرتفع الى درجة المستحيل أن تخلو سيرة النبي خلال فترة النبوّة من آيات ومعجزات تشهد له بأنه ذلك الانسان الذي اختاره الله واصطفاه ورفع منزلته على منازل الناس جميعاً في الدنيا والآخرة (النبي محمد، ص ٢٢٤).

الاستحالة شهادة ناطقة على ضرورة المعجزة لصحة النبوّة. لكن مقالته جامعة للمتناقضات:

تناقض بالنزول من الى الواقع: يجب أن يكون لمحمد معجزات، إذن محمد له معجزات تشهد له، وهذا خلاف صريح القرآن.

تناقض بالدوران في حلقة مفرغة: ان محمداً نبي، لذلك يستحيل ان تخلو سيرته من معجزات. إن أمثال الخطيب يرفضون أن يخضعوا للواقع القرآني الصريح وموقفه السلبي من كل معجزة تشهد له.

تناقض في موقفه. إنه من جهة يروي ﴿إشارات ودلالات تشير الى النبوّة وتحدّث عنها قبل البعثة، ويقص معجزات، خلال فترة النبوّة، تشهد له. ومن جهة أخرى يعلن: ﴿أما معجزة النبي الكبرى وآيته الخالدة فهي القرآن الكريم (ص ٢٣٧). والعبرة بمعجزة التحدّي، وليس لمحمد سوى القرآن كما يصرح الخطيب نفسه: ﴿ونحن نقول: إن معجزة الرسول هي القرآن، وليس له معجزة سواها (ص ٧٢).

وفي معجزة القرآن يناقض أيضاً نفسه: ﴿إن الإِعجاز القرآني يخاطب العقل ويناجي الوجدان. على حين ان الإِعجاز في معجزات الرسل إنما يخاطب الحواس ويصادم ناموس الطبيعة القائم في الناس، فيُحدث في الحياة زلزلة عنيفة تنبّه الغافلين وتوقظ النيام. لهذا كان الإِعجاز القرآني في حاجة ملزمة الى قوة تظاهره وتجعل له في الناس قدماً ثابتة (ص ٢٧٩). فالإِعجاز القرآني بحاجة الى معجزة، لكن المعجزة ليست بحاجة الى إِعجاز. إن الشيخ يسجل ضعف الحجة عند الناس بالإِعجاز القرآني. لكن هذا السلطان المبين، المعجزة، ﴿التي تظاهره وتجعل له في الناس قدماً ثابتة، لا وجود لها في القرآن والسيرة بشهادة الراسخين في العلم من أهل القرآن. فمبدأ الاستحالة الذي ينادي به الشيخ الخطيب يسقط أمام الواقع.

وهكذا فإن فلسفة علماء العصر، لتعليل امتناع المعجزة في القرآن والسيرة، فلسفة تسيء الى الوحي الإلهي وحرمته وعصمته. فلا نبوّة بلا معجزة.

خاتمة

ليس للقرآن والنبي من معجزة حسية

لقد أجمع الراسخون في العلم من أهل العصر على هذه النتائج الحاسمة:

الأولى: ﴿إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوّة سيدنا محمد عليه السلام.

الثانية: ﴿إن القرآن وحده معجزة محمد بحرفه ونظمه.

الثالثة: مَن زعم لمحمد معجزة حسية في القرآن أو الحديث أو السيرة، ﴿من المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح، ﴿وليست هناك معجزة واحدة يؤكدها خبر قطعي مما نسب الى رسول الله ـ كما أثبت السيد عبد الله السمان.

ويضيف الأستاذ عبد الله السمان في كتاب (محمد الرسول البشر، ص ١١٣): ﴿والذين تناولوا سيرة الرسول من المتأخرين جداً، وبعقلية ناضجة، إنما كتبوا بأسلوب عال لخاصة الناس، ولا يبلغ هؤلاء الخاصة إلاّ بضعة آلاف بين الأربعمائة مليون مسلم. أما الكثرة الساحقة... التي هي غثاء كغثاء السيل لا يكادون يعرفون عن الرسول إلا أنه ولد ولادة شاذة، وعاش عيشة شاذة، ومات ميتة شاذة. وأحاط به في هذه الأحوال الثلاث مئات الألوف من الأمور الخارقة التي نافست خرافات (ألف ليلة وليلة).

﴿وتستطيع أن تضحك ملء فيك، وأنت تقرأ كتب الدين المقررة على طلبة المدارس الابتدائية والتي تعرض للسيرة، لأن واضعيها سلكوا مسلك كتاب السيرة في سرد الحوادث مشبعة بالأمور الخارقة، ليصبّوا في أذهان النشء أن محمداً لم يكن مجرد بشر عادي، بل كان جزءاً من الله.

لقد فاتهم كلمة السيد المسيح: ﴿تعرفون الحق، والحق يحرّركم (يوحنا ٨: ٣٢).

ونحن نقول لأصحاب المدرسة الحديثة في النبوّة والمعجزة، الذين ينكرون ضرورة المعجزة لصحة النبوّة إنهم خرجوا على نهج ملّة إبراهيم في التوراة والإنجيل والقرآن، حيث المعجزة برهان النبوّة الذي يميز الحقيقة المنزلة من الحقيقة البشرية. وخرجوا على عقيدة السلف الصالح، وتبعوا سبيل الفلسفة اليونانية التي ثار عليها ذلك السلف الصالح. وخرجوا على إجماع علماء الكلام كما سجله الجويني، تلميذ الباقلاني، وأستاذ الغزالي: ﴿ليس في المقدور نصب دليل على صدق النبي غير المعجزة. وموقفهم متناقض: فهم ينكرون ضرورة المعجزة لصحة النبوّة، ومع ذلك فهم يجعلون إِعجاز القرآن معجزة تدل على صحة النبوّة. لكن نسجّل عليهم جميعاً الشهادة الجماعية بأنه ليس للقرآن والنبي من معجزة حسية، مثل جميع أنبياء الله.


١. ونصّها "اقتربت الساعة وانشق القمر" صريح، كما سنرى، بأن الخبر عن "الساعة" أي اليوم الآخر.

٢. والإسراء بنص الآية كان "ليلاً" لم يُشاهده أحد ليصح التحدّي به كمعجزة. والكرامة غير المعجزة.

٣. والقرآن صريح بأن محمد "لا يعلم الغيب" (الأنعام ٥٠ الأعراف ١٨٨).

٤. راجع في هذا الصدد لوائح ترتيب أطوار الدعوة القرآنية، ص ٣٠٩ ـ ٣١٣.

٥. قراءَة "كلمته" أصحّ من "كلماته"، لانسجامها مع السياق كله.

٦. وحمْل التعبير "علماء بني إسرائيل" على اللغة. لا على الاصطلاح القرآني المتواتر، هو ما يحمل كثيراً من المفسرين والمستشرقين على سوء فهم القرآن، فيظنون من الآيتين (الشعراء ١٩٧، الأحقاف ١٠) أنه كان في مكّة جالية يهودية، وأن اليهـود في عهـد من القرآن كانـوا من شـهوده، والقرآن كله تأييد "للنصرانية" الإسرائيلية على اليهودية (الصف ١٤).

٧. القراءَة على المجهول أصح من قراءة ﴿لـَتهدي لأنها تنسجم مع السياق.

٨. دروزة: سيرة الرسول ١: ٢٢٦.

٩. حياة محمد، ص ٤٤ ـ ٥٥.

١٠. محمد، الرسول البشر، ص ١٠ ـ ١٨.

١١. عبد الله السمان: محمد، الرسول البشر، ص ٨٦ ـ ٨٨ و١١٣.

١٢. وقد انحدر الى مستواه سيد علم الكلام الغزالي.

١٣. في الارشاد، ص ٣٣١.

١٤. محمد، الرسول البشر، ص ٥٢.

١٥. محمّد رسولاً نبيّاً، ص ١٥٣.

١٦. في (حياة محمد) لحسين هيكل: تقديم الطبعة الثانية، ص ٥٠ ـ ٥٤.

١٧. التعبير للدكتور حسين هيكل: حياة محمد، ص ٧٢.

١٨. محمد، الرسول البشر، ص ٩٦.

١٩. يظهر أن الإمام البيضاوي يجهل بيت المقدس جهلاً مطبقاً. يؤكد ذلك مَن عاش في المقدس زهرة شبابه، يطوف بها مدة اثنتي عشرة سنة.

٢٠. إن كانت تلك الصلاة رؤيا فليس الإسراء بمعجزة حسية، وإن كانت حدثاً واقعياً، فكيف رجع أسياد الأنبياء الى حياة الدنيا ليصلوا مع النبي؟

٢١ سيرة الرسول، ١: ٢٢٧ ـ ٢٢٨.

٢٢. سيرة الرسول ١: ٢٢٦.

٢٣. نقلا عن دروزة: القرآن المجيد، ص ٦٨.

٢٤. محمد، الرسول البشر، ص ٨٥.

٢٥. فسره البيضاوي: ﴿يرونهم مثليهم: يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين وكان قريب ألف؛ أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثماية وبضعة عشر. وذلك كان بعد ما ﴿قللهم في أعينهم حتى اجترأُوا عليهم وتوجهو ا اليهم. فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غُلبوا مدداً من الله تعالى للمؤمنين. أَو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم. فالتفسير الثاني ﴿ثلاثة أمثالهم ينقض حرف القرآن ﴿مثليهـم والتفسير الأول هو الصحيح، وتخريج البيضاوي للتعـارض بين ﴿يقللكم وبين ﴿يرونهم مثليهم متهافت لا يستقيم.

٢٦. محمد، الرسول البشر، ص ٨٤.

٢٧. فقه السيرة، ص ٤١٩.

٢٨. دروزة: سيرة الرسول  ٢: ٢٢١.

٢٩. دروزة: سيرة الرسول ٢: ٢٦٧، ٢٧١.

٣٠. محمد عبد الله السمان: محمد، الرسول البشر، ص ٢١.

٣١. حياة محمد، ص ١٤ و١٥٧ ـ ١٥٨ و٣٧٧ و٤٤٩ ـ ٤٥٠.

٣٢. سيرة الرسول ١: ٢٢٣ ـ ٢٢٦.

٣٣. محمد، الرسول البشر، ١٠ و١٣، ٧٢، ٨٦، ١١٣.

٣٤. السيوطي: الإتقان ٢: ١١٦.

٣٥. راجع كتابنا: الإنجيل في القرآن، ص ٦٤ ـ ٨٨، وكتابنا: مدخل الى الحوار الإسلامي المسيحي، ص ٨٠ ـ ٩٤.

٣٦. ﴿وقد استخرج الإمام الغزالي (المنطق) من القرآن (ص ٣٠٠)، وأيده ابن رشد بأن أسلوب القرآن يقوم على ﴿إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة (بالأسلوب الخطابي والجدلي)، لا على طريقة المنطق، بالأسلوب البرهاني (ص ٢٩٩). فاخراج طريقة المنطق والبرهان من القرآن، حوّله من أسمى ما وصل اليه الإنسان.

٣٧. حياة محمد، ص ٥٢ و٥٧.

٣٨. التمهيد ص ١٦.

٣٩. سيرة الرسول ١: ٢٢٦.

٤٠. محمد الرسالة والرسول ص ٤٩.

٤١. محمد الرسول البشر، ص ١١٣.   

٤٢. العقائد الإسلامية، ص ٢١٦.

٤٣. محمد الرسول البشر، ص ٨٩.

٤٤. العقائد الإسلامية، ص ٢١٦.

٤٥. راجع كتابنا: القرآن والكتاب (القسم الثاني)، ص ٦٩٧ ـ ٧٠٥.

٤٦. سيرة الرسول ١: ٢١٥ ـ ٢٢٦.

٤٧ حياة المسيح، ص ١٧٠- ١٧٧.